آراء

الاستقلال … محطات تاريخية زاخرة بالتضحيات

بقلم عليّان العدوان

جوردن ديلي— على غرار دول كثيرة تحرّرت من نير الاستعمار، كان الأردن يبذل النفس والنفيس ليطأ عتبة الاستقلال، ويبدأ طريقه الذي لم يكن مفروشا بالورود، بل بالتضحيات الجسام.
بدأت الحركات التحرّرية العربية منذ أن نادى مثقفو وسياسيو الأمّة العربية في سوريا ومصر بالشّريف الحسين بن عليّ تمرّدا على السياسة العثمانية التي تمثّلت في التتريك وتجهيل أبناء الأمّة العربية، وإعدام الضّبّاط العرب، والتجينيد الإجباري، وسياسة التجويع، ومصادرة الأملاك، فلبّى الشريف الحسين بن علي نداء أحرار الأمّة العربية، وأطلق رصاصته المعروفة التي أرعدت في سماء مكّة المكرّمة في العاشر من حزيران عام 1916 من شرفة قصره، مناديا بوَحدة الأمّة العربية تحت لواء واحد؛ فزحفت الجيوش العربية بقيادة الشريف فيصل بن الحسين، الذي بدأ بدحر القوات العثمانية من الحجاز، ثمّ من شرقيّ الأردن إلى أن وصل إلى دمشق حيث أسقط الخلافة العثمانية عن البلدان العربية. وهنا أخلت بريطانيا بوعودها للشريف الحسين بن علي قبل قيام الثورة العربية الكبرى، ولأنّ مطامعها الاستعمارية وحليفتها فرنسا في بلاد الشام أدّت إلى توقيع إتفاقيتَيْ سايكس بيكو وسان ريمو اللتين أنهيتا حلم الوحدة العربية.
وفي عام 1921 شهدت الأردن قدوم المغفور له الأمير عبدالله بن الحسين إلى الأردن من الحجاز متجها إلى دمشق لإمداد ثوّار سوريا ضد الفرنسيين، وأقام أثناء تلك الرحلة في مدينة معان، ثم واصل مسيرته إلى مدينة عّمان في الثاني من آذار عام 1921. وبعد وصوله تحركت بريطانيا من خلال وزير مستعمراتها ونستون تشرتشل للتفاوض مع الشريف الحسين لتأسيس إمارة شرق الأردن والموافقة على تأسيس مجلس الاستشاريين (الوزراء) برئاسة الكاتب الإداري رشيد طليع (رئيس الوزراء)، إلى أن اعترفت الحكومة البريطانية باستقلال شرق الأردن تحت الانتداب البريطاني بموجب قرار عصبة الأمم المتحدة في 25 أيّار 1923 والذي كان يلزم الدّول المنتدِبة بمساعدة الدول التي تحت انتدابها لنيل استقلالها، وبعد هذا الاعتراف وهذا الاستقلال الأول، بدأت الحياة السياسية الأردنية تتبلور لوضع مشروع الدستور الأردني، ومشروع قانون انتخاب مجلس نيابي عام 1923. لم تكترث بريطانيا بإقرار المشروعين، وبقيت إلى غاية يوم 20 شباط 1928، حتى وُقِّعَت معاهدة بين بريطانيا ممثلة بالمريشال بلوفر وحكومة شرق الأردن ممثلة برئيس وزرائها حسن خالد أبو الهدى، والتي بموجبها صدر دستور إمارة شرق الأردن في نيسان عام 1928، والذي استمدّ أحكامه من الاتفاقية الأردنية البريطانية.
لكن المعارضة الشعبية الأردنية، رفضت المعاهدات المبرمة، واستطاعت عقد مؤتمر وطني مقرّه عمّان في تمّوز عام 1928، حضره كبار مفكري شرق الأردن من علماء وشيوخ، وأعلنوا رفضهم للمعاهدة البريطانية الأردنية.
ومن أهمّ التوصيات التي خرج بها المؤتمر (الميثاق الوطني) بأن تكون إمارة شرق الأردن دولة عربية مستقلّة ذات سيادة، وتدار من قبل حكومة دستورية مستقلّة، بزعامة الأمير عبدالله الأوّل ابن الحسين، وتأسّست من هذه المعارضة ثلاثة أحزاب هي: حزب الشعب الأردني وحزب الإخاء الأردني وحزب التضامن الأردني، وكان مطلبهم المشترك هو الاستقلال التام للأردن عن الانتداب البريطاني.
إن الثورة الفلسطينية التي اندلعت عام 1936 ضدّ بريطانيا، والتي حظيت بدعم الأردنيين لها، ونشوب الحرب العالمية الثانية عام 1939، والضّغوطات الشعبية الأردنية، كلّها كانت عوامل ضغط أثّرت على سياسة الحكومة البريطانية، دفعتها لإعادة النّظر في وعودها فيما يخص رفع انتدابها عن إمارة شرق الأردن.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، طلبت الحكومة الأردنية من بريطانيا أن تفي بوعودها، ممّ دفع بريطانيا وعلى لسان وزير خارجيتها إرنست بيفن في خطابه أمام هيئة الأمم المتحدة إلى الإعلان عن التطور السياسي الأردني والذي وصل إلى مرحلة رفع الانتداب عنه، وعليه تمّ توقيع معاهدة الصداقة والتحالف بين الحكومة البريطانية والحكومة الأردنية بتاريخ 22 آذار 1946 حيث اعترفت بريطانيا من خلالها بالاستقلال التام لإمارة شرق الأردن مع التبادل الدبلوماسي.
ومن ضمن شروط المعاهدة، تواجد قوات بريطانيا في إمارة شرق الأردن، وتدريب القوات الأردنية على أيدي ضباط الجيش البريطاني. واستمر تواجد هذه القوات حتى عام 1956 بتعريب الجيش العربي وقيادته وإعفاء كلوب باشا من مهام قيادة الجيش الأردني وتسليمها لضباط أردنيين، حيث تمّ جلاء آخر جندي بريطاني عن الأردن في 13 آذار، وهذا في عهد المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال عام1956.
عُرِضَت هذه المعاهدة التي وُقِعَت في 22 آذار عام 1946 على مجلس الوزراء برئاسة ابراهيم هاشم، وكان ذلك يوم السبت الموافق 25 أيار 1946 حيث قرّر المجلس بالإجماع إعلان إمارة شرق الأردن دولةً مستقلة، ومبايعة الأمير عبدالله الأوّل ابن الحسين ملكا دستوريا للمملكة الأردنية الهاشمية.
وبعد استقلال المملكة الأردنية الهاشمية تمّ تعديل دستور 1928 إلى ما يتوافق مع المطالب الشّعبية المتكرّرة ضد المعاهدة البريطانية، ووضع دستور جديد للبلاد في 28 كانون الأول عام 1946.
وفي ضوء السيادة الوطنية، وفي ظلّ استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، توالت إنجازات الملك المؤسِّس عبدالله الأول ابن الحسين، بداية من انضمام الأردن إلى جامعة الدّول العربية عام 1945، لتكون عضوا مؤسِّسا. كما دخل الجيش العربي الأردني في حرب عام 1948 إلى جانب فلسطين، أمّا في 24 نيسان 1950 تمّ إعلان الوحدة بين الضفتين. وفي عام 1951 استشهد الملك عبدالله الأوّل في ساحة المسجد الأقصى، فتولّى من بعده عرش المملكة الملك طلال بن عبدالله حيث أُعْلِنَ في عهده الدستور الأردني عام 1952. وفي الثاني من أيار عام 1952 اعتلى الملك الحسين بن طلال عرش المملكة وتولى سلطاته الدستورية ملكا للبلاد. وفي عام 1955 انضم الأردن إلى هيئة الأمم المتّحدة، وفي الأول من آذار عام 1956 اتّخذ جلالته قرارا جريئا متمثلا في تعريب الجيش العربي الأردني، وفي 1957 أنهى جلالة الملك الحسين المعاهدة الأردنية البريطانية، وفي 1958 اتّحد الأردن مع العراق ليسمى اتّحادهم الاتّحاد العربي الهاشمي الذي لم يدُمْ طويلا. وفي حزيران عام 1967 خاض الأردن حرب حزيران المعروف بحرب الأيام الستة، وبعد ذلك بثمانية أشهر وفي 21 آذار عام 1968 حقّق الجيش الأردني نصره في معركة الكرامة، و بعدها تعرض جلالة الملك الحسين بن طلال إلى محاولة اغتيال فاشلة في منطقة صويلح بتاريخ 9 حزيران 1970. وفي عام 1973 شارك الأردن في حرب تشرين التحريرية إلى جانب القوات السورية في الجولان.
وفي الثمانينيات وتحديدا بين (1980-1988) ساند الأردن العراق الشقيق في حربه ضدّ إيران، في ما يسمى بحرب الخليج الأولى، وفي 1988 وبطلب من منظمة التحرير الفلسطينية، تمّ فك الارتباط قانونيا وإداريا بين الأردن والضفة الغربية. وبوفد مشترك من الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية تمّت المشاركة في محادثات السّلام في العاصمة الإسبانية مدريد عام 1991.
وفي وادي عربة عام 1994 وُقِّعَت معاهدة السّلام بين الأردن وإسرائيل والتي على إثرها انتهت حالة الحرب بينهما.
وفي السّابع من شباط عام 1999 اعتلى عرش المملكة الأردنية الهاشمية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وارثا مجدا تليدا من ملوكٍ هاشميين توالت إنجازاتهم كابرا عن كابر. وتمكَّن جلالة الملك عبدالله الثاني من تطوير الاقتصاد الأردني كإقامة المشاريع الاقتصادية في البحر الميت، وترؤسه العديد من المؤتمرات الإقتصادية في الأردن، وأسفرت هذه المؤتمرات واللقاءات عن تشكيل المجلس الاستشاري الاقتصادي برعاية صاحب الجلالة، وفي عام 2000 تمكّن إلحاق الأردن بمنظمة التّجارة العالمية وفي العام نفسه بوشِرَ تنفيذ الاتفاقية الخاصة بالشراكة الأردنية الأوروبية، وفي عهده أيضا تمّ الإعلان عن إقامة منطقة العقبة الاقتصادية منطقة حرّة. وكذلك أمر جلالته بتعزيز الدولة الاقتصادي لسفراء الأردن خارج البلاد وتسويق الأردن سياسيا وثقافيا واقتصاديا.
وللحفاظ على الأُسَرِ الفقيرة أمر جلالته بإنشاء مشروع الملك عبدالله الثاني لتوفير السكن لهذه الأسر في كافة المحافظات.
وفي مجال التعليم قام جلالته بحوسبة التعليم منذ بداية عهده في 1999، بحيث أدخل الأنظمة التكنولوجية إلى المدارس. وفي عام 2002 أمر جلالته بإنشاء العديد من مراكز تكنولوجيا المعلومات، ليتجاوز عددها 75 مركزا، وفي العام نفسه وتجلّى اهتمامه الإنساني في إنشاء المركز الوطني لحماية حقوق الإنسان بإرادة ملكية سامية، كما أمر بإنشاء صندوق الملك عبدالله الثاني للتّنمية للحدّ من آفتي الفقر والبطالة في العام الذي سبقه (31 يناير 2001).
وفي عام 2001 أعلن جلالته عن رسالة عمّان للعالم أجمع وتوضيح صورة الإسلام وتصحيح المعتقدات الخاطئة، وبعد ذلك جاءت الأوراق الملكية السامية.
أتى جلالته معزّزا لكلّ مناحي الحياة في الأردن، حيث اهتّم بإطلاق جوائز مختلفة تشجع المؤسسات والأفراد على الإبداع والإنجاز، فشهدت المملكة حراكا ثقافيا كبيرا في عهد جلالته حيث أولى اهتمامه بوزارة الثقافة، لكونها مظلّة لكلّ الهيئات الثقافية والتي تجاوز عددها في عهده 700 جمعية ثقافية.
ومن الناحية السياسية، في الرابع عشر من آب عام 2011، واستجابة إلى متطلبات المرحلة (الربيع العربي) تم تعديل الدستور، بواقع 45 مادة، كما أُعيد التعديل عام 2014.
كما أكّد صاحب الجلالة حرصه على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وإعلانه الصريح عن وقوفه التام إلى جانب الشعب الفلسطيني لإقامة دولته على أرض فلسطين وعاصمتها القدس ضمن اتّفاقية حلّ الدولتين.
واستمر تطويره ودعمه للقطاع الصحي وكوادره (الجيش الأبيض)، خاصة في جائحة كورونا التي بذل فيها جهدا لا يضاهى.
كما شهد قطاع الموصلات تطورا سريعا وكبيرا لم يتوقف فقط على إنشاء الطرق وإصلاحها إنّما اهتم بمشاريع بناء الجسور والأنفاق التي تسهِّل التّنقل وتخفِّف من الازدحمات المرورية، وتربط بين المحافظات والعاصمة بطرق سلسة جدا.
أما المؤسّسة العسكرية والقوى الأمنية، فقد أولاهما جلالته الصدارة في الاهتمام والتطوير، وتحسين معيشة أفرادهما، لأنّهما خطّ الدّفاع الأوّل عن الوطن والمواطن.

أخبار مشابهة

زر الذهاب إلى الأعلى