آراء

الخلايا الجذعية وعلاج أمراض الجهاز العصبي.. الحقيقة والوهم

د. لبنى تهتموني

جوردن ديلي– تعد أمراض التنكس العصبي (Neurodegenerative diseases) من الأمراض التي تصيب الجهاز العصبي، وهو مصطلح شامل يضم مجموعة من الحالات، أو الأمراض التي تؤثر بشكل أساسي على الخلايا العصبية في دماغ الإنسان.

تحدث الأمراض التنكسية العصبية عندما تفقد الخلايا العصبية في الدماغ أو الجهاز العصبي الطرفي وظيفتها بمرور الوقت وتموت في النهاية.

تصيب الأمراض العصبية التنكسية الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم، وتشمل أمراضاً مثل مرض الزهايمر (Alzheimer’s disease) وأمراض الذاكرة الأخرى، ومرض الشلل الرعاش (Parkinson’s disease)، واختلاج الحركة (Ataxia)، وضمور أجهزة متعددة (Multiple system atrophy) وغيرها.

يعد مرض الزهايمر ومرض باركنسون من أكثر الأمراض العصبية التنكسية شيوعًا. وتقدر جمعية مرض الزهايمر الأميركية عدد الأميركيين المصابين بمرض الزهايمر في 2021 قد يصل إلى 6.2 مليون وأن 1.2 مليون شخص في الولايات المتحدة يمكن أن يتعايشوا مع مرض باركنسون بحلول 2030.

أما في الأردن ووفقًا لأحدث بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2018، بلغ عدد المصابين بمرض الزهايمر ووفيات الخرف 1714 أو 5.17٪ من إجمالي الوفيات، ومعدل الوفيات المصحح حسب العمر هو 46.33 لكل 100،000 من السكان، ويحتل الأردن المرتبة الثامنة في العالم.

يزداد خطر الإصابة بأمراض التنكس العصبي بشكل كبير مع تقدم العمر، ومع تحسن الرعاية الصحية وزيادة متوسط العمر المتوقع للحياة فان هذا يعني أن المزيد من الناس قد يتأثروا بالأمراض التنكسية العصبية في العقود القادمة. وهذا يخلق حاجة ماسة لتحسين فهمنا لما يسبب الأمراض التنكسية العصبية وتطوير أساليب جديدة للعلاج والوقاية.

على الرغم من أن العلاجات المتوفرة حاليا قد تساعد في تخفيف بعض الأعراض الجسدية أو العقلية المرتبطة بالأمراض التنكسية العصبية، لا توجد حاليًا طريقة لإبطاء تقدم المرض ولا توجد علاجات معروفة.

من هنا يأتي نقاشنا عن دور الخلايا الجذعية في علاج هذه الأمراض. الخلايا الجذعية هي خلايا لها القدرة على التجديد الذاتي والتكاثر اللامنتهي، والتمايز الى أنواع مختلفة من الخلايا. ويمكن الحصول على الخلايا الجذعية من مصادر متعددة مثل الخلايا الجذعية الجنينية البشرية (human embryonic stem cells) أو الخلايا المشتقة من الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات (induced pluripotent stem cells)، ومن الممكن تحويل الخلايا الجذعية إلى أنواع مختلفة من الخلايا العصبية والخلايا الدبقية في الجهاز العصبي المركزي.

وعلى الرغم من كون العلاج بالخلايا الجذعية يعد واعدا، الا انه ولغاية هذه اللحظة لا يوجد أي استخدام لهذه الخلايا سريريا (في العيادات أو المستشفيات)، ويقتصر استخدامها في المختبر لتجربة بعض الأدوية والتي من الممكن أن توقف موت الخلايا العصبية أو على الأقل تبطئ موتها، أو أن تحسّن من التشابك العصبي والذي يعد اختلاله وظيفيا السبب الرئيس في الاعراض المصاحبة لمرض الزهايمر.

ما نقوم به حاليا في بحثنا بمختبرات جامعة (Colorado State University) وخلال تواجدي كأستاذ زائر من الجامعة الهاشمية، هو تحويل الخلايا الجذعية الى خلايا عصبية مشابهة لتلك التي تصاب وتموت في الدماغ خلال مرض الزهايمر، ومن ثم نقوم بتعريض هذه الخلايا الى محفزات مثل التي تسبب مرض الزهايمر أو الشلل الرعاش، ثم نفحص بعض الأدوية والتي نتنبأ (من خلال أبحاثنا السابقة) أن لها القدرة على عكس المرض أو تحسينه مثل مارافيروك (Maraviroc) و(AMD3100).

وعلى الرغم من حصولنا على نتائج واعدة في المختبر تتمثل بتحسن التشابك العصبي بين الخلايا العصبية المشتقة من الخلايا الجذعية والتي كنا سابقا قد عرضناها لمؤثرات مرضية مشابهة لتلك التي تسبب مرض الزهايمر، وحصول فرق بحثية أخرى على نتائج واعدة في النماذج الحيوانية لمرض الزهايمر، لا يزال يتعين علينا اتخاذ العديد من الخطوات قبل أن يصبح العلاج بالخلايا الجذعية علاجًا مجديًا سريريًا لمرض الزهايمر والأمراض ذات الصلة في الانسان.

ولكن ولسوء الحظ، فإن الوعود البراقة والكاذبة في علاج الامراض العصبية بالخلايا الجذعية قد عززت الصناعة الطبية الهادفة للربح. وبينما يخطو العلماء بعناية من خلال الأبحاث والتجارب للتأكد من أن العلاج بالخلايا الجذعية آمن وفعال، فإن العديد من المرضى لديهم حاجة ويأس من الممكن فهمه للحصول على نتائج سريعة، وقد يقعون فريسة لادعاءات غير مثبتة علميا.

تتغذى “عيادات” الخلايا الجذعية غير الشرعية على يأس المرضى وأسرهم. وعادة ما يتم إدارة هذه “العيادات” من قبل أطباء وعلماء زائفين وعديمي ضمير، بحيث أنهم لا يكشفون عن منشأ أو أنواع الخلايا التي يقدمونها، ولا توجد متابعة صارمة مع المرضى لتحديد ما إذا كانت العلاجات مفيدة أو حتى أمنة.
أما في أسوأ الحالات، فإن بائعي هذه العلاجات يدعون نجاح العلاج دون تقديم أي دليل سواء للمرضى أو للمجتمع الطبي.

لا يزال علاج الأمراض التنكسية العصبية باستخدام الخلايا الجذعية في مهده. وعلى الرغم من أننا نعيش في وقت مليء بالتطورات العلمية وليس له مثيل، إلا أننا يجب أن نوازي ما بين الحقيقة والنتائج المبنية على العلم وما بين ما لا نعرفه ولا يمكننا توقعه ولا يزال بحاجة الى وقت طويل للبحث والتقصي.

من الممكن للخلايا الجذعية تقديم الكثير في علاج عدد لا متناهي من الامراض، واحياء الأمل عند المرضى، وهذا سيدفع العلماء والأطباء، بتوجيه ومساعدة الهيئات التنظيمية، للعمل معًا لجعل هذا الأمل حقيقة واقعة.

أخبار مشابهة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى