آراء

بدايات التقارب السوفييتي العربي

الدكتور امين محمود

جوردن ديلي – بدأ العدید من الدول العربیة في أعقاب حرب فلسطین تشھد اضطرابات متاعب متلاحقة. كما تزایدت بین شعوبھا حدة المشاعر المعادیة للقوى الغربیة الكبرى ، ولم یعد بوسع ھذه الشعوب أن تولي ھذه القوى ثقتھا على الاطلاق لا سیما وأنھا كانت تسعى جاھدة لابقاء الدول العربیة تحت نفوذھا وسیطرتھا . وقد كان الاتحاد السوفییتي یرقب عن كثب مجریات الأحداث في العالم العربي من أجل الاستفادة من أي تطورات مستقبلیة تحدث في المنطقة، لا سیما وأنھ كان یعمل جاھدا على ارساء دعائم وجوده كقوة جدیدة في الشرق الاوسط
بحیث لا یكون بالامكان التوصل الى عقد اتغافات أو تسویات سیاسیة في المنطقة دون مشاركتھ الفعالة. وكانت العلاقات الصھیونیة الامبریالیة حلقة في السلسلة قام السوفییت باستغلالھا بحیث توفر لھم مجالا یتشبثون بھ في تقریر مصیر دول المنطقة ، وتتیح لھم الفرصة للظھور امام الشعوب العربیة بمظھر المؤید لمقاومة سیاسة الضم والاحتلال التي كان یقوم بھا الامبریالیون والصھاینة، والوقوف الى جانب “المضطھدین والكادحین ” في المجتمعات العربیة.

وقد رأى السوفییت في فلسطین بیئة ملائمة لاثارة الحماس الثوري ضد الاضطھاد الامبریالي المتمثل بالھیمنة الغربیة والاضطھاد الكولونیالي المتمثل بالاستیطان الصھیوني.

وأخذت الامال تراود السوفییت للاستفادة من تداعیات الكارثة التي لحقت بالعرب في فلسطین اعتقادا منھم أنھا ستؤدي الى حث العرب على تبني الدعوة الى الاصلاح السیاسي والنھوض الاقتصادي وباتوا بتوقعون أن تتوجھ الدول العربیة الى الاتحاد السوفییتي طلبا للمساعدة لموازنة فوة اسرائیل في المنطقة والتي كان للسوفییت الفضل الأكبر في تثبیت دعائمھا واخراجھا الى حیز الوجود. وھكذا أخذت النظرة السوفییتیة للعرب تتغیر شیئا فشیئا ، وبدأ السوفییت یبحثون عن الفرص التي تؤمن لھم اقامة علاقات ایجابیة مع الانظمة العربیة، واستھل السوفییت اتصالاتھم بھذه الأنظمة معربین لھا عن رغبتھم بالتعاون والتنسیق معھا في مختلف المجالات سیاسیة كانت أو اقتصادیة أو حتى عسكریة مبررین موقفھم الذي سبق واتخذوه في دعم وتأیید تأسیس “دولة اسرائیل ” بأنھ لم یكن القصد من ورائھ أن یكون موقفا معادیا للعرب ، وانما كان القصد منھ –على حد تعبیرھم – “منح كل شعب من شعوب المنطقة حق تقریر المصیر”، وأضافوا في معرض تبریرھم لذلك الموقف أنھ لم یكن للسوفییت حینھا أي علاقات ذات قیمة تذكر مع أي من الدول العربیة التي كانت آنذاك خاضعة غالبیتھا للنفوذ الغربي.

وأكد السوفییت خلال اتصالاتھم مع الأنظمة العربیة بأنھم الا استعداد لتقدیم كل مساعدة ممكنة قد تحتاجھا دولھم. وأحذ السوفییت یدركون شیئا فشیئا أن ھنالك دورا عربیا جدیدا بدأ ینمو ویتزاید مھددا الوجود الاستعماري الغربي في المنطقة؛ وخاصة في العراق ومصر وسوریا، حیث أصبحت جمیع الظروف الموضوعیة تشیر الى نمو وتزاید حركة التحرر الوطني في ھذه الدول.

وبالرغم من أن العرب لم یكونوا بشكل عام مستعدین للاستجابة للدعوات السوفییتیة، الا أن الاتحاد السوفییتي أخذ یعرض بدءا من مطلع عام 1950 نقدیم مساعدات اقتصادية مغریة للعرب

وقد دعا محمد معروف الدوالیبي، وزیر الاقتصاد السوري في تلك الفترة الى عقد معاھدة عدم اعتداء ب ین الدول العربیة وبین الاتحاد
السوفییتي وذلك بعد أن تبین لھ حجم التوتر والقطیعة التي لحقت بالعلاقات السوفییتیة الاسرائیلیة . وكان الدوالیبي یسعى من وراء دعواه تلك الى كسب دعم وتأیید الاتحاد بتأیید السوفییتي للموقف العربي في الصراع الذي كان لا یزال محتدما مع الصھاینة حول الارض الفلسطینیة، كما أعلن انھ بالنسبة للعرب فان اي خطر بما في ذلك الخطر الشیوعي الذي تروج لھ الدول الغربیة یبدو صغیرا مقارنة بالتھدید الذي یشكلھ الخطر الصھیوني . وفد أدلى وزیر الخارجیة المصري ایضا بتصریح مشابھ لتصریح وزیر الاقتصاد السوري. كما طرحت افكار شبیھة في البر لمان السوري لانشاء علاقات سیاسیة وعسكریة واقتصادیة مع الاتحاد السوفییتي من اجل انھاء الصعوبات التي وضعتھا كل من بریطانیا والولایات المتحدة في وجھ العرب.

وعلى أیة حال فقد برزت فرص أخرى فیما بعد للتعاون بين السوفییت والعرب ضد تھدید القوى الغربیة، وذلك في الساحتین الدولیة والاقلیمیة. فمع اندلاع الحرب الكوریة تبنت غالبیة الدول العربیة بما فیھا مصر موقفا معارضا تماما للسیاسة الغربیة في كوریا . وقد رفضت مصر الاستجابة للضغوط الامریكیة والبریطانیة الرامیة لاقناع مصر بتأیید قرار الأمم المتحدة بارسال قواتھا للمشاركة في الحرب الكوریة الى جانب القوى الغربیة كما فعلت یعض الدول المؤیدة لھذه القوى، وخاصة اسرائیل التي اتخذت موقفا مؤیدا للكتلة الغربیة، مما أثار ھذا الموقف رد فعل عنیف لدى الاتحاد السوفییتي والذي وصفھ بحق بانھ عمل معاد لھ واستسلام لكتلة حلف شمال الاطلسي . وھكذا غدا الانشقاق في العلاقات السوفییتیة الاسرائیلیة أمرا واضحا بعد أن ظل فترة طویلة بعیدا عن الأنظار. أما بالنسبة لمصر فقد أعلنت على لسان وزیر خارجیتھا انھا مصرة على الالتزام بموقف الحیاد التام بین الشرق والغرب في نزاعھما حول كوریا . وكان لظھور “كتلة عدم الانحیاز” في الامم المتحدة والتي لعب ت مصر فیھا دورا رئیسیا، أكبر الأثرفي تحفیز السوفییت لانتھاز ھذه الفرصةوالبدء باتباع سیاسة ترمي الى المزید من التقارب مع العرب.

وفي معرض متابعتھ لتطورات الاحداث في منطقة الشرق الاوسط، رأى الاتحاد السوفییتي في محاولة القوى الغربیة اقامة تحالف شرق أوسطي أنھ مخطط تسعى ھذه القوى من خلالھ الى اقحام الدول العربیة في مواجھات مع دول الكتلة السوفییتیة دون اي مبرر، ومن الممكن أن تعود علیھا بوابل من الكوارث التي ھي في غنى عنھا، اضافة الى أنھ مخطط یھدف للحد من تنامي حركة التحرر الوطني العربیة الساعیة للتخلص من ھیمنة المستعمر الغربي على أراضیھا . كما كانت ھذه الخطة الغربیة تھدف أیضا الى اقامة قواعد عسكریة
لقوى حلف شمال الأطلسي المعادیة للاتحاد السوفییتي في المنطقة العربیة … وكان لدى السوفییت القناعة الكاملة بأن ھذا التحالف العسكري الذي تسعى كل من بریطانیا والولایات المتحدة الى عقده مع الدول العربیة لن یكون موجھا ضد الاتحاد السوفییتي فقط، وانما سیكون موجھا أیضا ضد الشعوب العربیة في سعیھا نحو التحرر والاستقلال. غیر أن غالبیة الدول العربیة وخاصة مصر التي سبق أن وجھت الیھا كل من بریطانیا والولایات المتحدة وبالتنسیق مع اسرائیل عا م 1951 لتصبح عضوا مؤسسا في التحالف الشرق أوسطي، الا أنھا أعلنت رفضھا القاطع للدخول في أي أحلاف عسكریة موجھة ضد السوفییت أو غیرھم، خوفا من أن یقحمھا ذلك في متاھات صراعات القوى الكبرى ویھدد أمنھا الداخلي ویحول دون استكمال مساعیھا للحصول على استقلالھا الوطني الكامل.

وكان لرفضھا أكبر الأثر في الحیلولة دون تشكیل ھذه التحالف. وقد لقي ھذا الموقف المصري ترحیبا من جانب الاتحاد السوفییتي الذي بادر فورا الى رفع نشاطھ الدبلوماسي في مصر بشكل ملحوظ . كما بادر السوفییت الى تقویة دعمھم وتأییدھم لمصر في أعقاب مبادرتھا بقرار منفرد من جانبھا الى الغاء معاھدة الصداقة والدفاع المشترك المعقودة مع بریطانیا منذ عام 1936 ومن الواضح أن الاتحاد السوفییتي حینما عبر عن تأییده لمصر في نزاعھا المتصاعد مع الغرب لم یلق بالا لطبیعة نظامھا الاجتماعي والسیاسي، ولا لأیدیولوجیتھا الاقتصادیة، وانما سعى من وراء ذلك التأیید -على حد قول العدید من المسؤولین السوفییت – الى مؤازرة الحركات الوطنیة المناھضة للمصالح والسیاسات الغربیة في المنطقة العربیة وتشجیعھا على المضي قدما في طریقھا النضالي. ومن ناحیة أخرى أخذت
الصحف السوفییتیة تشن حملة شدیدة على السیاسة العنصریة التي تمارسھا اسرائیل ضد العرب متھمة ایاھا بأنھا جردتھم من جمیع حقوقھم الطبیعیة والانسانیة، كما اتھمت القیادة الاسرائیلیة بالتآمر مع الولایات المتحدة لاقامة قواعد عسكر یة ضد الاتحاد السوفییتي
وھكذا أصبحت الأجواء مھیأة لمزید من التعاون والتقارب بین الاتحاد السوفییتي والعدید من الدول العربیة وفي مقدمتھا مصر حیث بلغ التعاون معھا ذروتھ بعقد صفقة الأسلحة التشیكیة وتنفیذ مشروع السد العالي.

وعلى أي حال فان السیاسة الخارجیة السوفییتیة المتعلقة بالشرق الأوسط والعالم العربي ظلت ملتزمة بثوابت محددة أھمھا التوصل الى أفضل السبل لتحقیق مصالحھا المتطورة، لا سیما وان منطلقات السیاسة السوفییتیة سواء ما كانت بالنسبة لمنطفتنا أو أي منطقة أخرى في العالم لا تتغیر بسھولة، والشيء المتغیر الوحید ھو كیفیة ایجاد أنجح الوسائل والتكتیكات لتطبیق السیاسة على نحو یتلاءم والظروف التي یمر بھا الاتحاد السوفییتي في كل مرحلة من مراحل تاریخھ.

أخبار مشابهة

زر الذهاب إلى الأعلى