كتبت: جينا صالح
لغتنا هويتنا
صديقي الغالي…
ما زلت أتحرّى مشهداً أكتبك من خلاله؛ كأنني أبحث عن نافذةٍ نلتقي عندها رغم اتساع المسافات، وعن لحظةٍ تختصر ما تفعله الغربة بالروح حين تبقى الذاكرة أقرب من المكان.
عزيزي الذي أفتقده :
منذ إقامتي في أبوظبي، تعبرني تفاصيل كثيرة لا تمرّ عابرة؛ ربما لأنني أرى بعين المتأمل لا المارّ، حاملةً سؤالي القديم عن الإنسان… والهوية..
.أُقيم في أحد أبراج جزيرة الريم..
اليوم قصدت البحر لأمارس طقسي اليومي: الكتابة.. في المصعد، دخل أطفال يافعون كانوا يتبادلون الحديث بالإنجليزية. توقّف المصعد مرة أخرى، فانضم إليهم آخرون… .الوجوه عربية، واللغة غريبة عنها.
سألتهم مبتسمة عن أسمائهم؛ كانوا أردنيين من شمال الوطن..ملامحهم تشي بذلك بالرغم من لهجتهم الخجولة، وعربيتهم المتكسّرة. قلت بعفويةٍ تشبه الحنين:"حبايبي .احكوا مع بعض عربي… والله لغتنا حلوة"..فأجاب أحدهم واسمه (سند)ببساطةٍ موجعة:"هون الكل بحكي هيك"!هذا السّند كان اربديّ اللون حوراني…
في تلك اللحظة فهمت الكثير؛ مدارس أجنبية، ساعات عمل طويلة، وبيوت تتكفل تفاصيلها لغات وخادمات وثقافات، أخرى..حتى صارت الإنجليزية لغتهم الأولى، وصارت العربية ضيفاً خفيفاً في بيوتهم..غادرتهم بعد أن أوصيتهم :"احفظوا لغتكم… واحكو بلهجتكم ففيها ملامحكم"
خرجت إلى الممشى؛ كل شيء هنا جميل، منظم، آمن، وهادئ حدّ الصمت. مدينة تؤدي الحياة بكفاءة عالية، لكنها تترك القلب يبحث عن صوتٍ بشريٍّ دافئ… عن سلام عابر أو سؤال بسيط من غريب..!
وفجأة عاد بي الطريق إلى سكناي في جبل الحسين قبل الإفطار؛ ضجيج الحياة الذي يشبه الطمأنينة! وتفاصيلها التي تضفي المعنى وتصنع الحكاية.."اليوم معزومة عند أختي".. "جيب معك تمر وقطايف".."دبريها والله الحال واقف"…وبجيب حمص معي»
هناك… في عمان -كما في كل الوطن- تُعاش الحياة بروحها.. بتعبها.. و بوجع وصبر اهلها..
وجدتني أمدّ يدي للهاتف كأنني أستعيدُ وطناً كاملاً بصوت صديق :"ركّبوا القهوة… جاية وجايبة معي قطايف محشية بحُب"..
أدركت حينها أن الغربة لا تبدأ حين نبتعد عن المكان،بل حين نبتعد عن انفسنا، عن التفاصيل،عن يومنا ! دون أن ننتبه..
وأن الوطن ليس عنواناً نعود إليه،بل هويّة نحملها كي لا نضيع…
