كتب : حلمي الحراحشة
رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا

جوردن ديلي - تمر منطقتنا اليوم بمرحلة حرجة، حيث تتداخل الصراعات العسكرية مع الحسابات السياسية الدولية، وتتسع رقعة الأزمات لتطال أمن الدول واستقرار المجتمعات واقتصاداتها. ومع استمرار الحروب والتصعيد العسكري في أكثر من ساحة، بات واضحاً أن المنطقة تدفع ثمناً باهظاً، ليس فقط على المستوى السياسي والأمني، بل أيضاً على مستوى حياة الشعوب ومستقبلها الاقتصادي.

لقد أثبت التاريخ أن الحروب الطويلة لا تصنع استقراراً دائماً، بل تخلّف أعباءً ثقيلة على الدول والشعوب. فالمشهد الإقليمي اليوم يعكس حالة من الإرهاق العام؛ شعوب أنهكتها سنوات من التوتر، واقتصادات تعاني من ضغوط غير مسبوقة، وأسواق المنطقة والعالم تتأثر بكل تصعيد جديد.

إن المتابع لما يجري يدرك أن هذا الصراع لا يخدم شعوب المنطقة، بل يضاعف معاناتها ويزيد من حجم التحديات التي تواجهها. فالدول الأولى التي تتحمل أعباء هذه الحروب هي الدول العربية نفسها، بينما تُمارس بعض الأطراف سياسة القصف والرد المتبادل التي تزيد من حجم الدمار وتعمق الانقسامات. فإسرائيل هي الطرف الذي يشن الهجمات ويقصف هنا وهناك، وإيران ترد بالمثل، لكن الخاسر الأكبر دائماً هو العرب؛ من غزة وفلسطين إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، مروراً ببعض دول الخليج، والأردن يتأثر بالصواريخ وتداعيات الصراع.

إن هذه السياسات لا تخدم سوى أهداف توسعية لتلك الأطراف التي ترفض بيئة السلام والأمن والازدهار في المنطقة. فهي تسعى لفرض الهيمنة وإعادة رسم خرائط النفوذ، بينما تتعرض شعوب المنطقة للدمار والخوف اليومي. وما يحدث اليوم ليس مجرد صراع محدود، بل سباق سام نحو السيطرة على الأرض والمصالح، على حساب حياة ومستقبل ملايين المدنيين.

وفي هذا السياق تبرز الحاجة الملحة لموقف عربي واضح وحاسم. الشعوب العربية هي صاحبة الأرض والتاريخ والجغرافيا، وهي الأكثر تأثراً بما يجري في المنطقة، ومن حقها أن يكون لها دور أساسي في رسم مستقبل الشرق الأوسط. ويجب أن تكون هناك رؤية عربية موحدة تقوم على حماية استقرار الدول، وتعزيز التعاون، ورفض سياسات الهيمنة والتوسع أياً كان مصدرها.

وقد برز الدور الأردني بشكل محوري من خلال المبادرات والتحركات الدبلوماسية للملك، سواء عبر لقاءاته مع قادة دول الخليج والقادة العرب، أو عبر الاتصالات مع القيادات الدولية. هذه التحركات تهدف إلى تنسيق المواقف العربية ووقف التصعيد، ولجم الفكر التوسعي الذي يفرض سياسات تزيد من الانقسام والدمار، مع التأكيد على الحلول السياسية المبنية على احترام سيادة الدول وحقوق شعوبها.

إن المرحلة الراهنة تتطلب بلورة مشروع عربي متكامل، يضع مصالح شعوب المنطقة فوق أي اعتبار، ويحول الشرق الأوسط من ساحة صراع وهيمنة إلى بيئة سلام وأمن وازدهار. فالسلام الحقيقي والاستقرار الدائم لن يتحقق إلا بقرار عربي موحد، يضع حماية الشعوب ومصالحها على رأس الأولويات، بعيداً عن المشاريع التوسعية والأطماع الخارجية.

كفانا انقساماً واصطفافاً أما مع هذا او مع ذاك أين نحن العرب؟ هذا نداء لكل قادة المنطقة للحفاظ على أمن شعوبنا ومستقبلها.