د. حازم قشوع

جوردن ديلي - تأتي الانتخابات التشريعية المغربية لتقدم محطة جديدة في مسار سياسي يتواصل فيه البناء المؤسسي، بعدما أفرزت نتائج أعادت ترتيب المشهد الحزبي وفتحت الطريق أمام تشكيل ائتلاف حكومي جديد. وقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج الأولية بـ97 مقعداً من أصل 395 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما بلغت نسبة المشاركة 38.08%، وفق النتائج الأولية الرسمية.

لكن أهمية هذا الاستحقاق لا تقف عند حدود النتائج الحزبية، وإنما فيما يمكن أن تفتحه من مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من الاستحقاق الانتخابي إلى استحقاق الإنجاز، ومن إعادة ترتيب التمثيل السياسي إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية. فالمغرب يدخل مرحلة تتقاطع فيها مجموعة من الملفات الكبرى، ويبرز فيها عام 2030 كأفق يحمل استحقاقات سياسية وتنموية واقتصادية ودولية متزامنة.

وسيكون الائتلاف الحكومي القادم أمام ثلاثة تحديات رئيسية، أولها ترسيخ وحدة التراب من خلال مواصلة العمل على مبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، بما يعزز حضور الدولة ومؤسساتها، ويجمع بين البعد السياسي والبعد التنموي لهذا الملف. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء استمرار الدعم الدولي للمقترح المغربي للحكم الذاتي، ومن ذلك الموقف الأمريكي المعلن في آب الماضي.

أما التحدي الثاني فيأتي من استحقاق تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهو استحقاق لا يتوقف عند الرياضة، وإنما يمثل ورشة وطنية واسعة في البنية التحتية والنقل والسياحة والاستثمار والخدمات والاتصال الدولي. وقد أقرت «فيفا» استضافة المغرب والبرتغال وإسبانيا للبطولة، مع إقامة مباريات احتفالية بالذكرى المئوية في الأرجنتين وباراغواي وأوروغواي.

أما التحدي الثالث، فهو تحدي رفع مستوى التمثيل السياسي وتوسيع قاعدة المشاركة. فمشاركة 38.08% تعني أن نحو ستة من كل عشرة مسجلين لم يشاركوا في الاقتراع، وهي نسبة تجعل مسألة استعادة الثقة وتوسيع المشاركة، ولا سيما بين الشباب، واحدة من القضايا التي ستبقى حاضرة أمام الحكومة والأحزاب. وقد جاءت الانتخابات في وقت كانت فيه قضايا التشغيل والأجور والسكن والتعليم والصحة حاضرة بقوة في النقاش العام.

وهنا يأتي البعد التنموي والخدماتي باعتباره المساحة التي تختبر فيها نتائج السياسة على أرض الواقع، فالمواطن لا يقيس نجاح المرحلة فقط بعدد المقاعد أو بتوازنات الائتلافات، وإنما بما يلمسه في فرص العمل، والتعليم، والصحة، والسكن، والنقل، والاستثمار، والخدمات العامة، وتحسين مستوى المعيشة. وكلما اتسعت المشاريع الوطنية ارتفع معها سقف الانتظارات، وأصبح الإنجاز هو اللغة التي تربط المواطن بالمؤسسة.

ومن هنا فإن مغرب 2030 لا يتعلق فقط باستحقاق رياضي، وإنما يمكن أن يشكل إطاراً لهندسة مرحلة جديدة تتكامل فيها وحدة التراب مع التنمية، والاستحقاقات الدولية مع الاقتصاد الوطني، والمشاريع الكبرى مع الخدمات اليومية، والمشاركة السياسية مع الثقة بالمؤسسات.

فالانتخابات أنجزت استحقاقها بإنتاج تمثيل سياسي جديد، لكن الاستحقاق الأهم يبدأ بعدها، عندما تتحول نتائج الصندوق إلى قدرة على إدارة المرحلة وصناعة الإنجاز. ولذلك فإن المعادلة المقبلة ليست فقط في هندسة الائتلاف الحكومي، وإنما في هندسة الأولويات الوطنية، بما يجعل من 2030 محطة لإعادة ترتيب المسار، وتعظيم الفرص، والاستجابة لتطلعات المجتمع.

وهكذا يقف المغرب أمام مرحلة جديدة، طاولتها أوسع من صندوق الاقتراع؛ طاولة تلتقي عليها السياسة والتنمية والاقتصاد والمكانة الدولية، ويصبح عنوانها الأبرز: كيف يتحول الإنجاز الانتخابي المستحق إلى إنجاز وطني ممتد، وكيف يصبح مغرب 2030 مساحة لصناعة المستقبل.