حلمي الحراحشة
محلل سياسي – لندن
جوردن ديلي - بالأمس استمعت إلى خطاب جلالة الملكة رانيا العبدالله الذي ألقته في قمة «عالم شاب واحد» في ميونخ عام 2025، ولم أكتفِ بسماعه مرة واحدة. عدت إليه مرات عدة، وفي كل مرة كنت أجد بين كلماته معنى آخر يستحق التوقف والتأمل. فهذا لم يكن خطاباً عابراً على منبر دولي، بل قراءة عميقة في واحدة من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب الضمير البشري: كيف تتحول المبادئ الإنسانية، تحت ضغط السياسة والمصالح والصراعات، من ثوابت يفترض أنها لا تتجزأ إلى معايير قد تتغير بتغير هوية الضحية.
وضعت الملكة يدها على واحدة من أخطر الآليات التي عرفها التاريخ: نزع صفة الإنسان عن الإنسان قبل تبرير ما يُرتكب بحقه.
فالكراهية لا تختفي، وإنما تغير أسماءها وأشكالها. تظهر في معاداة السامية، وفي الإسلاموفوبيا، وفي العنصرية والتفوق العرقي، وفي كل خطاب يحاول أن يقنعنا بأن جماعة بشرية ما أقل قيمة أو أقل استحقاقاً للحقوق والحياة. والخطر يبدأ عندما نتعامل مع ذلك باعتباره مجرد كلمات، بينما يعلمنا التاريخ أن الكلمات قد تصنع المناخ الذي تصبح فيه أفعال كانت مستحيلة أخلاقياً قابلة للتبرير أو التجاهل.
ومن ميونخ تحديداً، استحضرت الملكة صفحات شديدة القسوة من التاريخ. ذكّرت باللغة التي استخدمها النازيون لتجريد اليهود من إنسانيتهم، وبوصف التوتسي في رواندا بـ«الصراصير»، والروهينغا في ميانمار بـ«الكلاب الضالة». اختلفت الأزمنة والأماكن والضحايا، لكن الآلية التي حذرت منها واحدة: اختزل الإنسان أولاً، وشوّه صورته في الوعي، ثم يصبح الاعتداء عليه أسهل تبريراً.
ثم نصل إلى غزة، حيث استحضرت الملكة وصف «حيوانات بشرية» الذي استخدمه وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت عند إعلانه فرض حصار كامل على القطاع في أكتوبر 2023. وهنا يصبح السؤال أكبر من السياسة نفسها: كيف يستطيع العالم، بعد كل ما تعلمه من التاريخ عن خطورة نزع الإنسانية، أن يسمع لغة كهذه مرة أخرى ولا يدرك خطورتها؟
والمفارقة التاريخية مؤلمة. فاليهود في أوروبا كانوا ضحايا اضطهاد نازي مروّع، سبقته سنوات من التحريض والتشويه ونزع الإنسانية. وليس في استحضار ذلك اتهام لليهود كشعب أو كدين، ولا تحميلهم مسؤولية سياسات حكومة؛ بل العكس تماماً. إن أعظم وفاء لضحايا تلك المأساة هو أن يصبح ما تعرضوا له درساً إنسانياً يمنع تكرار آليات الكراهية ونزع الإنسانية بحق أي شعب آخر.
فالدرس الحقيقي من التاريخ لا ينبغي أن يتغير عندما تتغير هوية الضحية.
وهنا أبدعت أم الحسين في رسالتها. لم تضع مأساة في مواجهة مأساة، ولم تجعل ألماً يلغي ألماً آخر. فالاعتراف بمعاناة الفلسطيني لا ينتقص من معاناة اليهود، والدفاع عن المسلم لا يكون على حساب اليهودي أو المسيحي، ومواجهة معاداة السامية لا تتعارض مع مواجهة الإسلاموفوبيا. المبدأ الأخلاقي الحقيقي لا يسأل الإنسان عن دينه أو عرقه أو قوميته قبل أن يعترف بحقه في الحياة والكرامة.
والأكثر خطورة، كما جاء في الخطاب، أن للكراهية حليفاً قد يكون أشد فتكاً: اللامبالاة. أن يعتاد الإنسان صور الموت حتى لا يراها، وأن تمر أمامه مشاهد الجوع والتهجير والأطفال والضحايا حتى تتحول إلى خبر يومي عادي، فهنا لا تكون المأساة قد أصابت الضحية وحدها؛ بل أصابت شيئاً في ضمير المتلقي أيضاً.
لقد استمعت إلى هذا الخطاب مرات عدة، وما زال لدي الشغف لسماعه أكثر، لأنني أرى أنه يتجاوز حدود المناسبة التي قيل فيها. وما طرحته جلالة الملكة يستحق ألا يبقى خطاباً مؤثراً محفوظاً في الأرشيف، بل أن يكون مادة للدراسة والبحث والنقاش لدى المؤسسات الحقوقية والباحثين والمتخصصين في خطاب الكراهية والسلوك الإنساني.
وأرى أن أفكاره تستحق أن تكون من الخطوط العريضة أمام منظمات حقوق الإنسان في مراجعة وتطوير أدوات الحماية والإنذار المبكر. فحقوق الإنسان في جوهرها لا تحتاج إلى إعادة تعريف بقدر ما نحتاج إلى فهم أعمق للمرحلة التي تسبق انتهاكها: كيف تُصنع الكراهية؟ كيف يصبح الوصف المهين مألوفاً؟ وكيف يُعاد تشكيل صورة الضحية في العقل الجمعي حتى يصبح سلب حقوقها أو إيذاؤها أمراً يمكن للبعض تبريره؟
هنا تحديداً يجب أن يبدأ البحث والتشخيص؛ ليس بعد وقوع المأساة، بل قبلها. فربما أخطأنا طويلاً عندما ركزنا فقط على توثيق الانتهاك بعد حدوثه، ولم نعطِ الاهتمام الكافي للغة والأفكار والخطابات التي تهيئ المجتمع لقبوله قبل حدوثه.
ولهذا أرى في خطاب الملكة رانيا ما هو أبعد من موقف سياسي أو رسالة إنسانية مرتبطة بغزة. أراه دعوة لإعادة فحص الطريق الذي يسلكه العقل البشري من الاختلاف إلى الكراهية، ومن الكراهية إلى نزع الإنسانية، ومن نزع الإنسانية إلى قبول الانتهاك.
فالخطر لا يبدأ دائماً برصاصة، ولا تبدأ المأساة دائماً بقنبلة. قد تبدأ بكلمة، ثم وصف، ثم صورة ذهنية، ثم صمت، ثم اعتياد... حتى يأتي يوم يجد فيه العالم نفسه أمام مأساة جديدة ويتساءل: كيف وصلنا إلى هنا؟
والإجابة ربما كانت أمامنا منذ البداية.
علينا ألا ننتظر المقابر حتى نتحدث عن حقوق الإنسان، ولا أن ننتظر الضحايا حتى نكتشف الكراهية. علينا أن نواجه اللحظة الأولى التي يحاول فيها أحد أن يقنعنا بأن إنساناً آخر أقل إنسانية منا.
فالإنسانية التي تتغير بتغير هوية الضحية ليست إنسانية، والمبادئ التي تتبدل بتبدل المصالح ليست مبادئ.
ويبقى السؤال الذي تركه خطاب الملكة رانيا في ذهني، وربما ينبغي أن يبقى أمام ضمير العالم كله: ماذا تعلمت الإنسانية من تاريخها، إذا كانت لا تزال تحتاج في كل مرة إلى ضحية جديدة كي تتذكر أن الإنسان... إنسان؟
