حين تستعيد الملكية الأردنية ثقتها بنفسها

كتب : نضال الزبيدي
جوردن ديلي – في الطيران كما في السياسة، لا يكفي أن تبقى واقفاً… المطلوب أن تحلّق.
وهذا تماماً ما تحاول الملكية الأردنية أن تفعله، لا بوصفها شركة طيران فقط، بل بوصفها فكرة، وذاكرة، وواجهة بلد.
منذ عقود، كانت الملكية الأردنية أكثر من ناقل وطني ، كانت رسالة. طائرة تحمل اسم الأردن إلى عواصم العالم، وتعيده في قلوب المسافرين ، لكنها، ككل المؤسسات التي تعيش في قلب منطقة مضطربة، دفعت أثمان الجغرافيا قبل أن تجني ثمار الاقتصاد.
ليس من السهل أن تنافس شركات طيران مدعومة بخزائن دول مفتوحة، ولا أن تقف في سوق تزدحم فيه الطائرات كما تزدحم الشعارات. الإمارات وقطر تطيران بوقود المال الوفير، وشركات الطيران منخفضة الكلفة تغري المسافر بسعر التذكرة قبل أن تسأله عن الوجهة، أما الملكية الأردنية، فكانت مطالبة بأن تفعل المستحيل: أن تكون اقتصادية من دون أن تفقد هيبتها، وأن تكون تنافسية من دون أن تتخلى عن هويتها.
ومع ذلك، فعلتها.
عام 2025 لم يكن عاماً عادياً في سجل الشركة، بل كان عاماً شبيهاً بتلك الرحلات التي تقلع في طقس عاصف ثم تصل في الموعد. تحقيق ربح صافٍ قدره 21.5 مليون دينار أردني بعد سنوات من الخسائر ليس رقماً محاسبياً فقط، بل إشارة سياسية واقتصادية في آن واحد ، إشارة تقول إن الإصلاح ممكن، وإن الإدارة حين تعرف ما تريد، تستطيع أن تصل.
ارتفاع الإيرادات، وزيادة أعداد المسافرين، ونسبة إشغال بلغت 81% وهي الأعلى في تاريخ الشركة ، كلها أرقام جميلة، لكنها ليست الأهم، الأهم في رأيي أن الملكية الأردنية بدأت تستعيد ثقة نفسها قبل أن تستعيد ثقة السوق.
وحين يقول الرئيس التنفيذي سامر المجالي إن ما تحقق هو أولى ثمار خطة التحول، فإن في العبارة تواضع الواثق لا غرور المنتصر ، فالشركة التي نقلت 826 ألف سائح إلى الأردن خلال عام واحد، لم تكن تنقل ركاباً فقط، بل كانت تنقل اقتصاداً، وتدعم فنادق، وتحرك مطاعم، وتعيد الحياة إلى مواقع أثرية طالها الصمت.
أما تحديث الأسطول، بإدخال 19 طائرة حديثة، فهو اعتراف متأخر بحقيقة معروفة: لا يمكنك أن تطير إلى المستقبل بمحركات الماضي. أن تمتلك أسطولًا حديثاً يعني كلفة أقل، وموثوقية أعلى، ورسالة صامتة للمسافر تقول: نحن نحترم وقتك وسلامتك.
الملكية الأردنية اليوم ليست في موقع المنتصر النهائي، لكنها بالتأكيد خرجت من موقع المتلقي للضربات، وهي إن استمرت في هذا المسار، فستثبت أن الشركات الوطنية لا تموت، بل تمرض… ثم تتعافى.
وفي زمن تعبت فيه المنطقة من الأخبار السيئة، يبدو خبر نجاح شركة طيران أمراً بسيطًا، لكنه في الحقيقة، خبر عن بلد يعرف كيف ينهض، وعن مؤسسة قررت أن تحلّق بدل أن تبرر السقوط.
وهذا، في رأيي، إنجاز يستحق أن يُكتب عنه لا كبيان صحفي، بل كمقال رأي.