نضال الزبيدي 
جوردن ديلي - يبدو حضور ولي العهد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في الملف الاقتصادي مختلفاً عن الصورة التقليدية لولي العهد، فهو لا يدير وزارة، ولا يضع موازنة، ولا يوقع اتفاقيات حكومية، لكنه اختار أن يكون قريباً من المكان الذي تبدأ فيه الاقتصادات الحديثة: الإنسان.

فالاقتصاد في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقاس فقط بحجم المصانع، أو بما يختزنه باطن الأرض من ثروات، أو بما تملكه الدول من موارد طبيعية، لقد أصبحت الثروة الحقيقية فكرة، ومهارة، وباحثاً في مختبر، ومهندساً يكتب سطوراً من البرمجيات، وشاباً يؤسس شركة ناشئة من غرفة صغيرة لتصبح بعد سنوات مؤسسة تنافس في الأسواق العالمية.

من هنا، يمكن فهم اهتمام ولي العهد بالتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والتعليم التقني، وريادة الأعمال.،فهذه ليست ملفات متفرقة، بل مفردات الاقتصاد الجديد، الذي لا يعترف بالحدود التقليدية، ولا ينتظر من يمتلك الثروة، بل من يمتلك المعرفة.

ولعل الأردن يعرف هذه الحقيقة أكثر من غيره، بلد محدود الموارد، لكنه غني بالعقول، ولذلك، فإن الرهان على الإنسان لم يكن يوماً خياراً، بل ضرورة وطنية، وعندما يركز ولي العهد على المهارات الرقمية، والتدريب المهني، والجامعات التقنية، فهو يراهن على المورد الأكثر استدامة: الشباب.

وعندما يلتقي مسؤولي شركات التكنولوجيا العالمية، أو يتحدث مع المستثمرين، أو يزور مراكز الابتكار، فإن الرسالة لا تقتصر على الترويج للأردن، بل تتعداها إلى محاولة رسم صورة مختلفة لبلد يريد أن يكون شريكاً في الاقتصاد العالمي، لا مجرد متلقٍ له، فالعالم اليوم يبحث عن الكفاءات بقدر ما يبحث عن الأسواق، وعن العقول بقدر ما يبحث عن رؤوس الأموال.

وليس من المصادفة أن تتكرر في لقاءات ولي العهد مفردات مثل الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني، والصناعات المتقدمة.، فهذه هي القطاعات التي ستحدد شكل الاقتصادات خلال العقد المقبل، والدول التي تتأخر في دخولها ستجد نفسها تركض للحاق بالآخرين.

وفي الداخل، لا يقتصر الحضور على الخطاب، بل يمتد إلى المبادرات.، من جامعة الحسين التقنية، إلى أكاديميات البرمجة، إلى برامج التدريب المهني والابتكار، تبدو الفكرة واحدة: إعداد جيل يمتلك أدوات المنافسة، لا شهادات معلقة على الجدران،  فالفارق بين التعليم وسوق العمل أصبح أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصادات النامية، ولا يمكن ردم هذه الفجوة إلا بإعادة تعريف المهارة المطلوبة للمستقبل.

وقد يكون السؤال الذي يشغل معظم الاقتصادات اليوم هو ذاته الذي يشغل الأردن: كيف نصنع وظيفة لم تولد بعد؟ وكيف نُعد شاباً لمهنة قد لا يكون لها اسم حتى الآن؟ هنا، تصبح المرونة في التعلم، والقدرة على الابتكار، والاستعداد للتغيير، أهم من أي تخصص جامد.

ليس سهلاً على اقتصاد صغير، يقع في منطقة مضطربة، ويواجه تحديات متراكمة، أن يحقق قفزات سريعة،  فالاقتصاد لا يبنى بالخطب، ولا يتغير بالقرارات وحدها، بل بالاستمرار، وبالتراكم، وبخلق بيئة تسمح للأفكار أن تتحول إلى مشاريع، وللمشاريع أن تتحول إلى شركات، وللشركات أن تتحول إلى فرص عمل.

وربما لهذا السبب، تبدو اللقاءات التي يعقدها ولي العهد مع رواد الأعمال والمبرمجين والمبتكرين ذات دلالة خاصة.، فهي تعكس اهتماماً بجيل جديد من صناع الاقتصاد، لا يعتمد على الوظيفة التقليدية، بل يسعى إلى خلق قيمة مضافة، وإنتاج المعرفة، وتصدير الخدمات والأفكار.

في عيده الثاني والثلاثين، يبدو الأمير الحسين أقرب إلى هذا الرهان،  ليس لأنه يقدم حلولاً سحرية، فالاقتصاد لا يعرف السحر، بل لأنه يركز على ما يبقى بعد تبدل الحكومات والظروف: المعرفة، والمهارة، والابتكار.

فالأمم لا تُقاس بما تملك اليوم، بل بما تُعد له غداً، والاستثمار في الطرق والمباني مهم، لكنه يظل ناقصاً إذا لم يرافقه استثمار في الإنسان، والاقتصاد الذي يربح المستقبل هو الذي يبدأ من المدرسة، ثم الجامعة، ثم المختبر، ثم الشركة الناشئة، وصولاً إلى سوق عالمي لا يعترف إلا بالكفاءة.

وفي النهاية، قد تختلف الآراء حول السياسات الاقتصادية، وقد تتباين التقديرات بشأن سرعة الإنجاز أو أولويات الإصلاح.، لكن يصعب الاختلاف على حقيقة واحدة: أن مستقبل الأردن الاقتصادي سيُقاس بقدرته على إطلاق طاقات شبابه، وتحويل الأفكار إلى فرص، والطموحات إلى مشاريع. وهناك، تحديداً، اختار ولي العهد أن يضع جزءاً كبيراً من جهده، واضعاً الإنسان في قلب معادلة التنمية، باعتباره الاستثمار الوحيد الذي لا تنخفض قيمته مع الزمن.