د. فادي معايعة
جامعة كيرتن – أستراليا

جوردن ديلي – مع انتهاء مشوار المنتخب الأردني في تصفيات كأس العالم 2026، جاءت معظم الانتقادات الموجهة إلى حارس المرمى يزيد أبو ليلى وفق نمط مألوف؛ إذ سارعت وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض المحللين ووسائل الإعلام، إلى تحميله المسؤولية الرئيسية عن نتائج المنتخب. إلا أن هذا يعكس أحد أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً في كرة القدم، وهو أن حارس المرمى، باعتباره خط الدفاع الأخير، يتحمل اللوم تلقائياً عند استقبال أي هدف، بغض النظر عن مجريات اللعب التي سبقته.

تكمن المشكلة في كثير من التحليلات الكروية اليوم في أنها تركز على النتيجة أكثر من تركيزها على العملية التي أدت إليها. فما إن يُسجل هدف حتى تتجه الأنظار مباشرة إلى حارس المرمى، بينما يُغفل أن الأهداف نادراً ما تكون نتيجة خطأ فردي معزول، بل غالباً ما تكون حصيلة سلسلة من العوامل الفنية والتكتيكية وقرارات اللاعبين التي تتداخل فيما بينها.

ومن أكبر المفاهيم المغلوطة في الرياضة الاحترافية الاعتقاد بأن الأداء يتحدد يوم المباراة. والحقيقة أن المباراة ليست سوى انعكاس لأسابيع أو أشهر، وأحياناً سنوات، من الإعداد والتحضير. فالمدربون والمحللون الرياضيون وعلماء الرياضة وأفراد الأجهزة الفنية يقضون ساعات طويلة في إعداد اللاعبين لمواجهة المنافسين، ووضع الخطط التكتيكية، والتدريب على الكرات الثابتة. وفي كرة القدم الحديثة، يتم تحليل كل هدف يُستقبل ليس بهدف إلقاء اللوم، وإنما لفهم أسبابه وكيفية تطوير الأداء مستقبلاً.

وعند تقييم أداء يزيد أبو ليلى في هذه التصفيات، فإن السياق يمثل عاملاً أساسياً.

أمام النمسا، واجه المنتخب الأردني أربع ركلات ركنية، وتمكن أبو ليلى من التصدي لإحدى الكرات. وجاء فوز النمسا متأثراً بهدف عكسي من ركلة ركنية، إضافة إلى ركلة جزاء في الدقائق الأخيرة، وليس نتيجة خطأ واضح من الحارس. كما نجحت النمسا في صناعة فرص أكثر جودة واستثمرت اللحظات الحاسمة في المباراة.

وأمام الجزائر، تعرض المنتخب الأردني لضغط هجومي كبير، حيث استحوذ المنتخب الجزائري على الكرة بنسبة 75%، وسدد 17 كرة، منها 8 بين الخشبات الثلاث، كما حصل على 10 ركلات ركنية مقابل ركنية واحدة للأردن. ورغم هذا الضغط، نجح أبو ليلى في التصدي لخمس كرات، وأبقى منتخب الأردن في أجواء المباراة لفترة طويلة. والأهم من ذلك أن هدفي الجزائر جاءا من ركلتين ركنيتين بعد خسارة الأردن للصراعات الهوائية داخل منطقة الجزاء، وهو ما يعكس مشكلات جماعية في الرقابة والتمركز وحسم الكرة الأولى، أكثر من كونه أخطاء واضحة من الحارس.

وتصاعدت الانتقادات بعد المباراة الأخيرة أمام الأرجنتين، إلا أن الأرقام تقدم صورة أكثر شمولاً. فقد استحوذت الأرجنتين على الكرة بنسبة 73%، وحصلت على ست ركلات ركنية مقابل اثنتين للأردن، وسجلت أهدافها من ركلتين حرتين مباشرتين وركلة جزاء، وليس من اللعب المفتوح. كما سجل أبو ليلى تصدياً خلال المباراة أمام أحد أكثر المنتخبات جودة من الناحية الفنية في العالم.

وركز كثير من النقاش على الهدف الذي سجله جيوفاني لو سيلسو من ركلة حرة مباشرة، حيث رأى بعض المشجعين أن أبو ليلى اقترب كثيراً من الحائط البشري وترك مساحة عند القائم القريب. إلا أن التحليل التكتيكي يقدم تفسيراً أكثر اكتمالاً؛ إذ تشير التقارير إلى أن المنتخب الأرجنتيني تعمد وضع لاعبين لحجب رؤية الحارس وإعاقة متابعته لمسار الكرة. وبالتالي، لم يكن الهدف مجرد خطأ من الحارس، بل جاء نتيجة تنفيذ مدروس ومخطط له بعناية من أحد أفضل المنتخبات في العالم. واختزال الهدف في خطأ فردي يتجاهل جودة التخطيط والتنفيذ الأرجنتيني.

وخلال المباريات الثلاث، نجح أبو ليلى في القيام بما لا يقل عن سبعة تصديات أمام النمسا والجزائر والأرجنتين، بينما اضطر المنتخب الأردني إلى التعامل مع 20 ركلة ركنية للمنافسين، منها 10 أمام الجزائر وحدها. أما الأهداف التي استقبلها المنتخب فجاءت من هدف عكسي، وهدفين من ركلات ركنية، وركلة جزاء، وركلتين حرتين مباشرتين، وهدف واحد من تسديدة بعيدة في اللعب المفتوح. وتعكس هذه الأرقام بوضوح أن المشكلات الدفاعية للمنتخب كانت جماعية، ولم تكن مسؤولية لاعب واحد.

ومن المهم أيضاً أن نتذكر أن الأخطاء جزء طبيعي من كرة القدم، حتى على أعلى المستويات. فقد أهدر روبرتو باجيو ركلة الترجيح الحاسمة في نهائي كأس العالم 1994، وأضاع دييغو مارادونا ركلة جزاء في مونديال 1990، كما أهدر ليونيل ميسي ركلة جزاء أمام آيسلندا في كأس العالم 2018. ومع ذلك، لم تختزل هذه اللحظات مسيرتهم الكروية، بل بقيوا رمزاً للإنجاز والقدرة على تجاوز الإخفاق.

وينطبق الأمر ذاته على حراس المرمى. ففي أعلى مستويات اللعبة، حيث تكون الفوارق بين النجاح والفشل ضئيلة للغاية، تبقى الأخطاء أمراً لا مفر منه. ويزخر التاريخ بأمثلة عديدة، منها خطأ روبرت غرين مع إنجلترا أمام الولايات المتحدة في مونديال 2010، وهفوة أوليفر كان في نهائي كأس العالم 2002، والتمريرة الخاطئة لوِيلي كاباييرو مع الأرجنتين في مونديال 2018، إضافة إلى الخطأ الشهير لرينيه هيغيتا أمام الكاميرون في مونديال 1990. وكلها تؤكد أن حتى أفضل حراس العالم معرضون للخطأ على أكبر المسارح الكروية.

ومن منظور تحليل الأداء، لا يُقيَّم حارس المرمى بناءً على الأهداف التي استقبلها فقط، بل وفق مجموعة واسعة من المؤشرات، تشمل التمركز، واتخاذ القرار، والتعامل مع الكرات، وبناء اللعب، والتواصل مع خط الدفاع. ولا يكتفي محللو الأداء بإلقاء اللوم على الحارس عند استقبال هدف، بل يدرسون السياق التكتيكي، وتحركات اللاعبين المحيطين به، وتسلسل الأحداث الذي أدى إلى صناعة الفرصة. أما الاكتفاء بالنظر إلى النتيجة النهائية، فإنه يقدم صورة ناقصة.

ولهذا، فإن الانتقادات التي وُجهت إلى يزيد أبو ليلى تفتقر إلى التوازن والإنصاف. فكرة القدم لعبة جماعية، والأهداف نادراً ما تكون مسؤولية لاعب واحد، كما أن الانتصارات لا يصنعها لاعب واحد بمفرده. فاللعبة الحديثة تقوم على التعلم المستمر، والمراجعة، والتطوير.

وقبل إصدار الأحكام على يزيد أبو ليلى، يجدر بالمشجعين والمحللين أن ينظروا إلى ما وراء النتيجة، وأن يفهموا الصورة الكاملة. فكرة القدم أكثر تعقيداً من هدف واحد، أو تصدٍ واحد، أو لحظة واحدة. إن فهم العملية التي قادت إلى النتيجة، بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل العاطفية، هو ما يميز التحليل الكروي الحقيقي عن النقد الانفعالي، وهو في النهاية النهج الأكثر عدلاً في تقييم اللاعب والأداء.