كتب: محرر الشؤون الاقتصادية
جوردن ديلي - يمثل استكمال شركة «فيفو إنرجي» الاستحواذ على كامل أعمال «توتال إنرجيز ماركتنغ الأردن» تحولاً مهماً في سوق توزيع المحروقات الأردني، إلا أن أهمية الصفقة تتجاوز مجرد انتقال ملكية نحو 180 محطة وقود إلى شركة جديدة، فالصفقة تعكس تحولاً أوسع يشهده قطاع الطاقة العالمي، حيث تعيد شركات النفط الكبرى ترتيب محافظها الاستثمارية، بينما تتوسع الشركات المتخصصة في توزيع الوقود إلى أسواق كانت تهيمن عليها سابقاً الشركات النفطية المتكاملة.
ورغم أن بيع الأصول قد يُفهم للوهلة الأولى على أنه انسحاب من السوق الأردنية، فإن المعلومات المتوافرة لدى " جوردن ديلي " تشير إلى أن القرار يأتي في إطار إعادة توجيه الاستثمارات على المستوى العالمي، وليس نتيجة ضعف أداء الأعمال في الأردن.
فقد أكدت كل من «توتال إنرجيز» و«فيفو إنرجي» أن الصفقة تمت بعد استكمال الموافقات التنظيمية، فيما شددت الشركة المستحوذة على استمرار الموظفين، ووكلاء المحطات، والعلاقات مع العملاء دون تغيير خلال مرحلة الانتقال، وهو ما يعكس انتقال نشاط قائم ومستقر، وليس الاستحواذ على شركة تواجه صعوبات تشغيلية.
شهدت «توتال إنرجيز» خلال السنوات الأخيرة تحولاً استراتيجياً عميقاً، إذ انتقلت من كونها شركة نفط تقليدية إلى شركة طاقة متعددة الأنشطة تستثمر بكثافة في الغاز الطبيعي المسال، والطاقة المتجددة، وتوليد الكهرباء، إلى جانب استمرارها في أعمال النفط والغاز التقليدية.
ويفرض هذا التحول إعادة تقييم مستمرة لمحفظة الأصول حول العالم، بحيث يتم توجيه رأس المال نحو الأنشطة التي تحقق أعلى العوائد الاستراتيجية والمالية.
وفي هذا السياق، لا يعني التخارج من سوق معينة أن تلك السوق غير مربحة، بل قد يعكس ببساطة أن حجم النشاط لا ينسجم مع أولويات الشركة العالمية أو أن الأموال المستثمرة فيها يمكن أن تحقق عائداً أكبر في مشاريع أخرى ذات حجم وتأثير أكبر.
وبالنسبة لـ«توتال إنرجيز»، يُعد السوق الأردني محدود الحجم مقارنة بمحفظتها العالمية التي تمتد عبر عشرات الدول ومشروعات بمليارات الدولارات في مجالات الإنتاج والغاز الطبيعي والطاقة منخفضة الكربون.
حتى الآن، لا توجد أي مؤشرات معلنة تفيد بأن قرار البيع جاء نتيجة خسائر مالية أو تراجع في الطلب أو تحديات تنظيمية داخل الأردن.
بل على العكس، وصفت «فيفو إنرجي» الأردن بأنه سوق يتمتع بـ«أساسيات قوية»، وأكدت أنها تنظر إلى المملكة باعتبارها منصة للنمو خارج القارة الإفريقية، في أول توسع جغرافي لها خارج أسواقها التقليدية.
كما أن حرص الشركة على الإبقاء على الإدارة المحلية، واستمرار العقود مع الوكلاء، وعدم إجراء تغييرات جوهرية في العمليات التشغيلية، يشير إلى أن النشاط الذي استحوذت عليه يتمتع باستقرار تشغيلي وقاعدة عملاء قائمة.
في المقابل، تختلف حسابات «فيفو إنرجي» عن حسابات «توتال إنرجيز».
فالشركة لا تعمل في إنتاج النفط أو الغاز، وإنما يتركز نشاطها بالكامل تقريباً في توزيع الوقود وتشغيل محطات الخدمة، وهو القطاع الذي تمتلك فيه خبرة واسعة عبر آلاف المحطات في إفريقيا.
ومن هذا المنطلق، فإن الأصول التي قد تبدو محدودة الأهمية بالنسبة لشركة نفط عالمية عملاقة، تمثل بالنسبة لـ«فيفو إنرجي» فرصة استراتيجية لدخول سوق جديدة تتمتع باستقرار سياسي وتنظيمي، ومستويات استهلاك مستقرة، وموقع جغرافي يربط بين عدة أسواق إقليمية.
كما أن قرار استبدال علامة «توتال إنرجيز» التجارية بعلامة «إنجن» (Engen) يؤكد أن الشركة لا تنظر إلى الصفقة باعتبارها مجرد استحواذ مالي، وإنما باعتبارها بداية لبناء حضور طويل الأمد في السوق الأردنية وربما في المنطقة مستقبلاً.
وتأتي هذه الصفقة ضمن توجه عالمي أوسع تشهده صناعة الطاقة، حيث أصبحت شركات النفط الكبرى أكثر انتقائية في الاحتفاظ بأصولها، مع تركيز متزايد على الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية مثل إنتاج النفط والغاز، والغاز الطبيعي المسال، والطاقة الكهربائية والمتجددة.
وفي المقابل، برزت شركات متخصصة في تشغيل شبكات محطات الوقود وإدارة أعمال التجزئة، تمتلك نماذج تشغيل أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق قيمة أكبر من هذه الأصول.
وبالتالي، فإن انتقال ملكية شبكات محطات الوقود من شركات النفط العالمية إلى شركات توزيع متخصصة أصبح ظاهرة متكررة، ولا يعكس بالضرورة تراجع جاذبية الأسواق التي تتم فيها تلك الصفقات.
على المدى القصير، من غير المتوقع أن يلحظ المستهلك الأردني تغييرات كبيرة باستثناء التحول التدريجي في الهوية التجارية للمحطات من «توتال إنرجيز» إلى «إنجن».
أما على المدى المتوسط، فقد تفتح الصفقة المجال أمام استثمارات جديدة في تحديث المحطات، وتوسيع خدمات متاجر التجزئة، وإطلاق برامج ولاء رقمية، وتحسين تجربة العملاء، إذا ما طبقت «فيفو إنرجي» النموذج الذي اعتمدته في أسواق أخرى.
وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن بيع «توتال إنرجيز» أعمالها في الأردن لا يعكس تراجعاً في ثقتها بالسوق الأردنية، بقدر ما يعكس اختلافاً في الأولويات الاستثمارية بين شركتين تعملان وفق نموذجين مختلفين.
فبالنسبة لـ«توتال إنرجيز»، تمثل هذه الأصول جزءاً صغيراً من محفظة عالمية يجري إعادة هيكلتها باستمرار. أما بالنسبة لـ«فيفو إنرجي»، فهي تشكل نقطة انطلاق استراتيجية نحو أول توسع خارج إفريقيا، وفرصة لبناء حضور طويل الأمد في سوق ترى فيها مقومات نمو واستقرار.
ومن ثم، فإن الصفقة تعكس اتجاهاً عالمياً نحو مزيد من التخصص في قطاع الطاقة، حيث تنتقل ملكية أصول التوزيع إلى شركات تركز على هذا النشاط بوصفه جوهر أعمالها، بينما تعيد شركات الطاقة الكبرى توجيه استثماراتها نحو القطاعات التي تتوافق مع استراتيجياتها المستقبلية.
