أعد التقرير: المحرر الاقتصادي

جوردن ديلي - عندما تأسست الشركة المتحدة للاستثمارات المالية (UFICO) عام 1980، كانت سوق رأس المال الأردنية لا تزال في مراحلها الأولى، وكانت شركات الوساطة تؤدي دوراً  تقليدياً يقتصر على تنفيذ أوامر البيع والشراء في سوق محدودة الحجم والسيولة، وبعد أكثر من أربعة عقود، تغير المشهد بصورة جذرية، فالمستثمرون أصبحوا أكثر تنوعاً، والشركات باتت تبحث عن أدوات تمويل أكثر تعقيداً، كما أصبحت التكنولوجيا عاملاً حاسماً في صناعة الخدمات المالية.

وسط هذه التحولات، اتجهت UFICO إلى إعادة تعريف نموذج أعمالها، لتنتقل تدريجياً من شركة وساطة مالية إلى مؤسسة تقدم خدمات مصرفية استثمارية وإدارة أصول واستشارات مالية، في مسار يعكس التغيرات التي يشهدها القطاع المالي الأردني والإقليمي.

هذا التحول لا يقتصر على تغيير قائمة الخدمات، بل يعكس تحولاً أوسع في فلسفة الأعمال داخل قطاع الخدمات المالية، حيث لم يعد الاعتماد على عمولات التداول كافياً لتحقيق النمو في بيئة تتسم بتراجع أحجام التداول في بعض الفترات، وارتفاع المنافسة، وزيادة متطلبات المستثمرين والمؤسسات.

وعلى مدى العقدين الماضيين، واجهت شركات الوساطة في الأردن تحديات متشابكة، من بينها تذبذب نشاط الأسواق، والتغيرات التنظيمية، والتحول الرقمي، فضلاً عن المنافسة الإقليمية المتزايدة من مراكز مالية أكبر في الخليج.

في المقابل، اتجهت العديد من المؤسسات المالية إلى تنويع مصادر الإيرادات عبر التوسع في الخدمات الاستشارية، وإدارة الثروات، وتمويل الشركات، وترتيب الإصدارات، والاستحواذات والاندماجات، وهي خدمات تحقق قيمة مضافة أكبر من نشاط الوساطة التقليدي.

وفي هذا السياق، تبدو استراتيجية UFICO جزءاً من هذا الاتجاه، حيث توسعت الشركة تدريجياً في الخدمات المصرفية الاستثمارية، مستفيدة من خبرتها في السوق المحلية وعلاقاتها مع المستثمرين والشركات.

اعتمدت الشركة خلال السنوات الأخيرة على سياسة توسع قائمة على الاستحواذات، في خطوة تعكس توجههاً متزايداً نحو تعزيز الحجم والكفاءات داخل القطاع المالي.

ففي عام 2021 استحوذت على شركة سند كابيتال، ثم أعقبتها في عام 2022 بالاستحواذ على شركة الموارد للوساطة المالية والشركة العربية للاستثمار المالي، قبل أن تضيف في عام 2023 عمليات إي إف جي هيرميس في الأردن إلى أعمالها.

وتشير هذه الخطوات إلى استراتيجية تقوم على بناء منصة مالية متكاملة تجمع بين الوساطة والاستشارات وإدارة الأصول والخدمات المصرفية الاستثمارية، بدلاً من الاعتماد على نشاط واحد.

كما رفعت الشركة رأسمالها المدفوع إلى 21.16 مليون دينار أردني في عام 2025، في خطوة تعزز قدرتها على التوسع وتنفيذ صفقات أكبر، وفقاً لبيانات الشركة.

أحد أبرز التحولات التي شهدتها الصناعة المالية يتمثل في انتقال المنافسة من قاعات التداول إلى المنصات الرقمية.

فالمستثمرون اليوم يتوقعون تنفيذاً سريعًا للصفقات، ووصولاً مباشراً للأسواق العالمية، وأدوات تحليل متقدمة، وتقارير بحثية تساعدهم على اتخاذ القرار.

تقول الشركة إنها استثمرت في تطوير منصات التداول وربط عملائها بالأسواق الإقليمية والعالمية، إلى جانب تعزيز خدمات الأبحاث والاستشارات.

لكن خبراء يرون أن التكنولوجيا، رغم أهميتها، لم تعد تمثل عنصراً تنافسياً بحد ذاته، بل أصبحت شرطاً أساسياً لدخول المنافسة، فيما أصبح التميز يعتمد بصورة أكبر على جودة المشورة المالية، والقدرة على هيكلة الصفقات، وفهم احتياجات العملاء.

ورغم أن سوق عمان المالي  تبقى محدودة مقارنة بأسواق مثل السعودية أو الإمارات، فإنها تحتفظ بخصائص تجعلها جاذبة لفئات معينة من المستثمرين، خصوصاً في قطاعات البنوك، والصناعة، والخدمات، إضافة إلى موقعها كبوابة لعدد من الأسواق الإقليمية.

كما تشهد المملكة اهتماماً متزايداً بتمويل الشركات المتوسطة، وإعادة هيكلة الأعمال، وجذب الاستثمارات، وهي مجالات تمنح شركات الخدمات المصرفية الاستثمارية فرصاً للنمو بعيداً عن الاعتماد الكامل على نشاط التداول.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على قدرة المؤسسات المالية على بناء فرق متخصصة تجمع بين الخبرة المحلية والمعايير الدولية في تقديم الخدمات.

تعكس تجربة UFICO تغيراً في طبيعة الدور الذي تؤديه المؤسسات المالية.

ففي الماضي، كانت العلاقة مع العميل تنتهي بمجرد تنفيذ الصفقة، أما اليوم، فأصبحت تبدأ قبل اتخاذ قرار الاستثمار، من خلال تقديم الدراسات، وتقييم الشركات، وهيكلة التمويل، وإدارة المخاطر، ثم تستمر عبر إدارة المحافظ والثروات ومتابعة الأداء.

وهذا التحول يتماشى مع الاتجاه العالمي الذي يشهد تراجعًا في أهمية الوساطة التقليدية مقابل نمو الخدمات الاستشارية ذات القيمة المضافة.

ورغم التوسع الذي حققته الشركة، فإن البيئة التشغيلية لا تخلو من التحديات، فالأسواق المالية الإقليمية تشهد منافسة متزايدة، كما أن المستثمرين أصبحوا أكثر تطلباً، في حين يفرض التطور السريع في التكنولوجيا والاستثمار الرقمي على المؤسسات المالية مواصلة الاستثمار في الابتكار والكوادر البشرية.

كما أن أي تباطؤ اقتصادي أو انخفاض في نشاط أسواق المال ينعكس بصورة مباشرة على القطاع، ما يجعل تنويع مصادر الدخل عاملًا أساسيًا للحفاظ على الاستدامة.

قد يكون أهم ما يميز مسيرة UFICO ليس فقط نموها المؤسسي، بل كونها تعكس مساراً أوسع يمر به القطاع المالي الأردني.

فالتحول من شركة وساطة تأسست في ثمانينيات القرن الماضي إلى مؤسسة تقدم خدمات مصرفية استثمارية متكاملة يعكس تطور احتياجات الاقتصاد نفسه، وانتقال أسواق المال من مرحلة التركيز على التداول إلى مرحلة يصبح فيها التمويل والاستشارات وإدارة الثروات عناصر رئيسية في دعم النمو الاقتصادي.

وبينما تستمر أسواق المنطقة في إعادة تشكيل نفسها، يبدو أن مستقبل شركات الخدمات المالية لن يُقاس بحجم التداولات التي تنفذها فحسب، بل بقدرتها على تقديم حلول مالية متكاملة، وربط رؤوس الأموال بالفرص الاستثمارية، والمساهمة في تمويل الشركات ومشروعات النمو. وفي هذا السياق، تمثل تجربة UFICO نموذجاً للتحولات التي تشهدها صناعة الخدمات المالية في الأردن، أكثر من كونها قصة توسع شركة بعينها.