كتب: نضال الزبيدي
جوردن ديلي - يثير قرار أمانة عمّان الكبرى الاستعانة بشركات متخصصة لإدارة خدمات النظافة وجمع النفايات نقاشاً يتكرر في كل مرة تلجأ فيها الحكومات أو البلديات إلى القطاع الخاص وسرعان ما يتحول الجدل إلى سؤال مباشر: لماذا تستعين الأمانة بشركات أجنبية؟ وهل عجزت عن إدارة هذا القطاع بنفسها؟
ربما يكون السؤال الصحيح مختلفاً تماماً.
فإدارة النفايات ليست مجرد خدمة بلدية، بل واحدة من أكثر العمليات اللوجستية تعقيداً داخل أي مدينة ، إذ إنها منظومة تعمل كل ساعة من كل يوم، تعتمد على التخطيط، والبيانات، وحركة مئات الآليات، وآلاف العاملين، ومسارات دقيقة، واستجابة سريعة للأعطال والشكاوى، فضلاً عن إدارة التكاليف والرقابة على الأداء.
ولهذا السبب، أصبحت كثير من المدن الكبرى في العالم تفصل بين من يضع السياسات ومن ينفذها. فالبلدية تحدد المعايير، وتراقب الأداء، وتحاسب المقصر، بينما قد يتولى التنفيذ مشغل متخصص إذا أثبت أنه قادر على تقديم خدمة أفضل أو أكثر كفاءة.
في هذا الإطار، أوضحت شركة رؤية عمّان، الذراع الاستثمارية للامانة أن المشروع أُسند إلى ثلاثة ائتلافات هي: ائتلاف EFS وميكامور (إماراتي–مغربي)، وشركة معوّض اللبنانية بالشراكة مع شركة قلادة الأردنية، إضافة إلى شركة إمداد الإماراتية، المملوكة لحكومة دبي، بالشراكة مع شركة المدينة النظيفة الأردنية ، وتؤكد الشركة أن هذه الجهات متخصصة في جمع ونقل النفايات الصلبة، وأن اختيارها جاء للاستفادة من خبراتها التشغيلية في تطوير المنظومة.
غير أن وجود شركات متخصصة لا يمثل بحد ذاته ضمانة للنجاح ، فالخصخصة أو التعاقد مع القطاع الخاص ليسا هدفاً بحد ذاتهما، بل وسيلة لتحسين الخدمة ، وإذا لم تؤدِّ العقود إلى شوارع أنظف، واستجابة أسرع، وكلفة أكثر كفاءة، فإن تغيير المشغل لن يغير النتيجة.
وهنا تكمن النقطة التي يغفلها كثيرون في النقاش العام، فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في هوية من يقدم الخدمة، وإنما في كيفية إدارة العقد. هل توجد مؤشرات أداء واضحة؟ وهل تُنشر نتائجها للرأي العام؟ وهل تُفرض غرامات عند التقصير؟ وهل تستطيع البلدية إنهاء العقد إذا لم تتحقق الأهداف؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من جنسية الشركة أو اسمها.
وفي المقابل، لا ينبغي تجاهل أن تشغيل خدمات النظافة في مدينة بحجم عمّان يفرض تحديات مالية متزايدة ، فالنمو السكاني والتوسع العمراني وارتفاع أسعار الوقود وصيانة الآليات وزيادة كميات النفايات كلها عوامل تجعل هذه الخدمة من أكبر بنود الإنفاق البلدي ولهذا تبحث البلديات في مختلف دول العالم باستمرار عن نماذج تشغيل تحقق معادلة صعبة: جودة أعلى بكلفة يمكن تحملها.
كما أن أي انتقال من نموذج تشغيلي إلى آخر يرافقه عادة قدر من الارتباك ، حيث شهدت عمّان بالفعل شكاوى خلال الأسابيع الأولى من بدء تشغيل النظام الجديد، وهو أمر لا يمكن تجاهله، لكنه لا يكفي أيضاً للحكم على تجربة تمتد لسنوات ، فالنجاح أو الفشل لا يُقاسان في الأيام الأولى، وإنما بعد استقرار العمليات وظهور نتائج قابلة للقياس.
ما تحتاجه عمّان اليوم ليس الدفاع عن العقود الجديدة ولا مهاجمتها، بل قدر أكبر من الشفافية، فمن حق المواطنين معرفة ما الذي ستقدمه هذه الشركات بصورة أفضل من النظام السابق، وما هي مؤشرات النجاح، وكم ستبلغ كلفة المشروع، وما مقدار الوفر المتوقع إن وجد، وكيف سيجري تقييم الأداء بصورة دورية.
فالمدن الحديثة لا تُدار بالشعارات، وإنما بالأرقام، وإذا كانت الشركات الجديدة ستنجح في خفض زمن جمع النفايات، ورفع مستوى النظافة، وتحسين رضا السكان، فإن التجربة ستكون جديرة بالدعم بغض النظر عن هوية المشغل، أما إذا بقيت المشكلات كما هي، فلن يكون تغيير الأسماء كافياً لإقناع المواطنين بأن شيئاً قد تغير.
في النهاية، لا يبحث سكان عمّان عن شركة محلية أو أجنبية، ولا عن قطاع عام أو خاص، ما يريدونه ببساطة هو مدينة نظيفة، وخدمة موثوقة، وإنفاق عام يحقق أفضل قيمة ممكنة وهذه هي المعايير التي يجب أن تُقاس بها التجربة، بعيداً عن الانطباعات المسبقة أو الجدل الذي يرافق كل تغيير.
