كتب: المحرر الاقتصادي
جوردن ديلي - ليس التأمين مجرد وثيقة تُشترى، أو تعويض يُدفع بعد وقوع حادث ، إنه في جوهره، مرآة للاقتصاد ، فكلما تعقدت الاقتصادات، وتعاظمت الاستثمارات، وتداخلت المخاطر، ازداد الدور الذي تؤديه صناعة التأمين في حماية النمو واستدامته.
لهذا، فإن انعقاد المؤتمر العام الخامس والثلاثين للاتحاد العام العربي للتأمين (GAIF35) في الأردن خلال الفترة من 4 إلى 7 تشرين الأول 2026، لا يكتسب أهميته من كونه أكبر تجمع مهني للتأمين في المنطقة فحسب، بل لأنه يأتي في مرحلة تعيد فيها الصناعة تعريف دورها على المستوى العالمي.
وبحسب المنظمين، فقد تجاوز عدد المسجلين للمشاركة 1000 مشارك من 37 دولة قبل نحو ثلاثة أشهر من انعقاد المؤتمر، بينما يُتوقع أن يرتفع العدد إلى أكثر من 2000 مشارك يمثلون أكثر من 60 دولة ، لكن الأرقام، على أهميتها، لا تفسر وحدها الاهتمام المتزايد بالمؤتمر ، فالقضية تتجاوز حجم المشاركة إلى طبيعة المرحلة التي تمر بها صناعة تُقدر أقساطها العالمية اليوم بأكثر من 7 تريليون دولار سنوياً، وتشكل إحدى الركائز الأساسية للاستقرار المالي والاستثماري في الاقتصادات الحديثة.
قبل عقدين، كانت شركات التأمين تبني نماذج أعمالها على مخاطر يمكن التنبؤ بها نسبياً، حوادث المركبات، والحرائق، والكوارث الطبيعية ضمن أنماط معروفة، أما اليوم، فقد أصبح المشهد أكثر تعقيداً.
فجائحة واحدة كانت كافية لتعطيل الاقتصاد العالمي، وهجوم إلكتروني قد يشل بنوكاً أو مستشفيات أو مطارات، فيما تدفع التغيرات المناخية شركات إعادة التأمين إلى إعادة حساباتها بعد سنوات شهدت خسائر اقتصادية عالمية تجاوزت 300 مليار دولار نتيجة الكوارث الطبيعية في بعض الأعوام.
في المقابل، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً جديدة أمام شركات التأمين، ليس فقط في تسريع إصدار الوثائق وتسوية المطالبات، بل في الانتقال من تعويض الخسائر بعد وقوعها إلى التنبؤ بالمخاطر والحد منها قبل أن تتحول إلى خسائر فعلية.
وهذا التحول يغيّر جوهر الصناعة ، فلم تعد شركات التأمين مجرد مؤسسات مالية تدير التعويضات، بل أصبحت جزءاً من منظومة إدارة المخاطر التي تعتمد عليها الحكومات والشركات والمستثمرون في اتخاذ قراراتهم.
ورغم أن الدول العربية تضم أكثر من 460 مليون نسمة، فإن مساهمة المنطقة في سوق التأمين العالمي لا تزال محدودة مقارنة بحجمها السكاني والاقتصادي، كما تبقى معدلات انتشار التأمين في معظم الأسواق العربية دون المتوسط العالمي.
ويعكس ذلك مفارقة لافتة، فالمنطقة تشهد توسعاً في مشاريع البنية التحتية، والطاقة، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي، وهي جميعها قطاعات تعتمد بصورة متزايدة على حلول متطورة لإدارة المخاطر، في حين لا تزال بعض أسواق التأمين تعتمد بدرجة كبيرة على الفروع التقليدية، مثل التأمين الطبي وتأمين المركبات.
ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح هو كيف تنمو شركات التأمين، بل كيف تستطيع مواكبة اقتصاد تتغير مخاطره بوتيرة أسرع من تطور منتجاتها.
في هذا المشهد، يأتي الأردن بوصفه سوقاً متوسطة الحجم، لكنها تتمتع بإطار تنظيمي شهد تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد انتقال الإشراف على القطاع إلى البنك المركزي الأردني وتعزيز متطلبات الحوكمة والملاءة المالية.
ويبلغ حجم أقساط التأمين في المملكة نحو 700 مليون دينار سنوياً، فيما يعمل في السوق 18 شركة تأمين تقريبا ويستحوذ التأمين الطبي وتأمين المركبات على ما يقارب ثلثي إجمالي الأقساط المكتتبة، وهو ما يعكس طبيعة الطلب في السوق، لكنه يسلط الضوء أيضاً على أكبر مصادر الضغوط، في ظل استمرار ارتفاع كلف الرعاية الصحية وأسعار إصلاح المركبات وقطع الغيار.
ويرى مختصون أن فرص النمو المستقبلية تكمن في توسيع التأمين على الحياة والادخار، وتطوير منتجات للمخاطر السيبرانية والمناخية، وتعزيز استخدام التكنولوجيا في جميع مراحل العمل، من الاكتتاب إلى إدارة المطالبات.
ومن المتوقع أن يركز مؤتمر GAIF35 على ملفات أصبحت في صدارة أجندة شركات التأمين العالمية، مثل الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وإدارة المخاطر المناخية، والأمن السيبراني، ومستقبل إعادة التأمين، إلى جانب التحديات التنظيمية التي تواجه الأسواق العربية.
كما يوفر المؤتمر مساحة لاجتماعات ثنائية بين شركات التأمين وإعادة التأمين، والمؤسسات المالية، وشركات التكنولوجيا، وهي لقاءات قد تفضي إلى شراكات أو استثمارات جديدة، وإن كانت نتائجها الفعلية تتوقف على ما يلي المؤتمر من قرارات وتنفيذ.
وفي المقابل، سيكون من المبالغة الاعتقاد بأن مؤتمراً، مهما بلغ حجمه، قادر على معالجة التحديات الهيكلية التي تواجه القطاع، فارتفاع كلفة إعادة التأمين، والمنافسة السعرية، وضعف انتشار التأمين في بعض الأسواق، ونقص الكفاءات المتخصصة، كلها ملفات تتطلب إصلاحات تمتد لسنوات، وتتجاوز حدود أي فعالية مهنية.
ربما تكمن القيمة الحقيقية لهذا المؤتمر في أنه يأتي بينما تمر صناعة التأمين بمرحلة انتقالية غير مسبوقة ، فالعالم لم يعد يطلب من شركات التأمين أن تعوض الخسائر فحسب، بل أن تساعد على توقعها، والحد منها، وبناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود.
ولهذا، فإن السؤال الذي سيواجه المشاركين في البحر الميت لن يكون كيف حققت الأسواق نتائجها العام الماضي، بل كيف ينبغي أن تبدو صناعة التأمين بعد عشر سنوات.
ففي عالم تتغير فيه التكنولوجيا أسرع من التشريعات، وتتجاوز فيه الخسائر الاقتصادية للكوارث والأزمات مئات المليارات من الدولارات سنوياً، لم يعد التأمين قطاعاً مالياً هامشياً، بل أصبح جزءاً من البنية الأساسية لأي اقتصاد يسعى إلى النمو بثقة.
وقد لا يخرج مؤتمر GAIF35 بقرارات تغير الصناعة بين ليلة وضحاها، لكنه قد ينجح في طرح الأسئلة الصحيحة في الوقت المناسب.
