كتب :حلمي الحراحشة
جوردن ديلي - ليس من الإنصاف أن نقرأ المشهد الأردني من زاوية واحدة، أو أن نختصر مسيرة الدولة في التحديات اليومية التي يواجهها المواطن، على أهميتها. فالأردن اليوم دولة تتحرك وتبني وتعيد ترتيب أولوياتها، وتمضي في مشروع التحديث وسط إقليم شديد الاضطراب لم يمنحها يومًا طريقًا سهلًا.
والأهم أن الأردن لا يتحرك في فراغ؛ فقد حافظ على استقراره ومكانته، وواصل تنفيذ مشروع التحديث الذي أراده جلالة الملك عبدالله الثاني مسارًا لبناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة المستقبل.
وفي هذه المرحلة، يمثل وجود رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان عنصر قوة في إدارة هذا المسار، بما يمتلكه من خبرة طويلة في مؤسسات الدولة ومعرفة بملفات الاقتصاد والسياسة العامة والإدارة. وقد جاء كتاب التكليف السامي واضحًا في التأكيد على العمل المؤسسي، والأهداف القابلة للقياس، ومتابعة الإنجاز، والأهم أن يشعر المواطن بأثره.
ولذلك، فإن الحديث عن الأردن اليوم يجب أن ينتقل من الانطباعات إلى لغة الأرقام.
فمعدل البطالة انخفض إلى 16.1% في الربع الأول من عام 2026، بتراجع نصف نقطة مئوية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وبنحو 2.3 نقطة مئوية خلال أربعة أعوام. الرقم لا يعني أن مشكلة البطالة انتهت، لكنها إشارة إلى اتجاه يمكن البناء عليه بسياسات أكثر جرأة في التشغيل والاستثمار والإنتاج.
وفي ملف الاستثمار، تتجه الدولة نحو استقطاب استثمارات منتجة قادرة على توفير فرص العمل والوصول إلى المحافظات. وما يجري في القطرانة، مع افتتاح ستة مصانع جديدة، يقدم نموذجًا مهمًا لربط الاستثمار بالإنتاج والتشغيل.
كما أن المشاريع الاستراتيجية التي أعلنت عنها الحكومة، والتي تصل قيمتها إلى نحو 11 مليار دولار، يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للنمو إذا تحولت من أرقام وخطط إلى مشاريع قائمة ومصانع تعمل وفرص عمل حقيقية.
وفي الإدارة والتعليم وتطوير القطاع العام، تمضي الدولة في مسارات إصلاحية وتشريعية تهدف إلى رفع كفاءة المؤسسات وتحسين الخدمات وتعزيز قدرة الإدارة على تحقيق النتائج.
لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بما تعلنه الحكومات فقط، بل بما يشعر به المواطن. فما زالت البطالة والدخل وكلفة المعيشة والخدمات ملفات تحتاج إلى عمل مستمر، ومراجعة صريحة لما لم يحقق أهدافه.
الأردن لا يحتاج إلى أن يبدأ من الصفر في كل مرة، بل إلى أن يبني على ما تحقق، وأن يجعل الكفاءة معيار الاختيار، والإنجاز معيار التقييم.
لدينا قيادة واضحة، ومؤسسات راسخة، ورئيس وزراء يمتلك خبرة ومعرفة بتفاصيل الدولة، وثروة بشرية أردنية في الداخل والخارج يمكن أن تكون من أهم أدوات المستقبل.
الأردن أثبت أنه قادر على الصمود، والتحدي المقبل أن يثبت أنه قادر أيضًا على صناعة الفرص والنمو والازدهار.
وهذا هو التحدي الحقيقي.
- حلمي الحراحشة ،كاتب ومحلل سياسي - رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا
