كتب:  حلمي الحراحشة
كاتب ومحلل سياسي - رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا

جوردن ديلي - استقال كير ستارمر من عضوية مجلس العموم البريطاني بعد مغادرته رئاسة الحكومة، ليطوي صفحة سياسية امتدت لسنوات، ويفتح المجال لمرحلة جديدة. وقد أعلن أن تركه البرلمان سيسمح له بالتركيز على مجالات أخرى من العمل العام، من بينها الشؤون الدولية والدفاع والأمن والتجارة والتكنولوجيا.

قد يقول قائل إن بريطانيا شيء والأردن شيء آخر، وهذا صحيح. فالنظام السياسي البريطاني يقوم على انتخابات برلمانية وتقاليد حزبية وديمقراطية تختلف في طبيعتها عن آليات تشكيل الحكومات وتعيين المسؤولين في الأردن. ولذلك فإن المقصود هنا ليس المقارنة بين نظامين، ولا الدعوة إلى نقل تجربة سياسية بحذافيرها، وإنما التوقف عند ثقافة مهمة في التعامل مع المسؤولية العامة.

في بريطانيا يغادر المسؤول منصبه، وقد يغادر البرلمان أيضاً، لكن خبرته لا تُلغى ولا يُنظر إلى مغادرته وكأنها نهاية لقيمته العامة. يمكن أن يبقى صاحب تجربة ورأي ومشورة، من دون أن يكون وجوده مرتبطاً بكرسي حكومي أو منصب تنفيذي. وهذه هي النقطة التي تستحق أن تصل إلينا في الأردن.

لماذا نصر أحياناً على أن يبقى رئيس الوزراء السابق أو الوزير السابق أو القائد السابق أو المسؤول الرفيع في دائرة المناصب من موقع إلى آخر حتى يصبح السؤال ليس من يستطيع أن يقدم للأردن الأفضل، وإنما أين يمكن أن نضع المسؤول السابق؟

هذه الثقافة تحتاج إلى مراجعة هادئة وشجاعة.

ليس لأن من خدم الدولة فقد قيمته بعد مغادرته المنصب، بل لأن قيمة الإنسان أكبر من الكرسي الذي جلس عليه. وليس المطلوب أن نهدر خبرات من تولوا المسؤولية، بل أن نعرف كيف نستفيد منها دون أن نبقي أصحابها في دائرة المناصب التنفيذية إلى ما لا نهاية.

يمكن للمسؤول السابق أن يكون مستشاراً وصاحب رأي وخبرة، ويمكن للدولة أن تستفيد من تجربته في الملفات التي يعرفها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن ينتقل من وزارة إلى مؤسسة ومن مؤسسة إلى موقع آخر حتى يصل إلى نهاية حياته الوظيفية.

وهنا نحتاج في الأردن إلى تغيير في طريقة التفكير أكثر من حاجتنا إلى تغيير أسماء. فالولاء للدولة والانتماء إلى الأردن ليسا موضع مزايدة، ولا يملك أحد شهادة حصرية في الوطنية. كل الأردنيين أبناء وطن واحد، وكلنا معنيون بمصلحته ومستقبله، والاختلاف الحقيقي يجب أن يكون في الكفاءة والقدرة والإنجاز.

السؤال الذي يجب أن يحكم اختيار المسؤول ليس كم منصباً شغل سابقاً، ولا كم مرة عاد إلى موقع رسمي، بل ماذا يستطيع أن يقدم اليوم؟ وما الذي يملكه من معرفة وقدرة ورؤية لمعالجة تحديات الأردن؟

الأردن ليس فقيراً بالكفاءات، وهذه حقيقة يجب أن نؤمن بها. هناك أجيال جديدة تمتلك العلم والخبرة والطموح، وهناك أردنيون أثبتوا قدرتهم في الداخل والخارج، ومن حق هؤلاء أن يجدوا طريقهم إلى مواقع المسؤولية عندما تتوافر فيهم الكفاءة والقدرة.

إن تداول المسؤولية لا يعني إقصاء أصحاب الخبرة، كما أن تجديد الوجوه لا يعني التنكر لمن سبقهم. بل إن الحكمة تكمن في الجمع بين الأمرين: نحفظ الخبرة ونفتح الطريق أمام التجديد.

وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نأخذه من ستارمر ومن غيره من السياسيين البريطانيين: أن مغادرة المنصب يمكن أن تكون جزءاً طبيعياً من الحياة العامة، وأن خدمة الدولة لا تتوقف عند الكرسي، وأن الدولة تستطيع أن تستفيد من خبرات السابقين وهي تمنح الفرصة لآخرين.

نحن بحاجة إلى أن نصل إلى مرحلة ننظر فيها إلى جميع أبناء الوطن بالمستوى نفسه، وأن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة والقدرة على تقديم الأفضل للأردن. لا نريد مسؤولاً يبقى في المشهد لأنه كان مسؤولاً، ولا نريد أن يصبح المنصب امتداداً تلقائياً للمنصب الذي سبقه.

نريد دولة تنتج قياداتها باستمرار، وتفتح المجال أمام الدماء الجديدة، وتحترم خبرة من سبقهم دون أن تجعلهم الخيار الوحيد في كل مرحلة.

ستارمر يغادر البرلمان، لكن الحياة السياسية البريطانية تستمر. وهذه هي الفكرة التي تستحق أن نتوقف عندها في الأردن: المسؤول يغادر، والخبرة تبقى، والمؤسسات تستمر، والفرصة تنتقل إلى غيره.

فالمنصب ليس ملكاً لأحد، والوطن ليس حكراً على أحد، والولاء لا يبرر البقاء الأبدي في مواقع المسؤولية.

الأردن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، ويستحق أن يتقدم فيه الأكثر كفاءة والأقدر على العطاء.