كتب :حلمي الحراحشة
كاتب ومحلل سياسي - رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا
جوردن ديلي - من لندن، تبدو الصورة أبعد من مجرد مواقف متفرقة تجاه إسرائيل. بريطانيا وفرنسا وكندا اتخذت إجراءات مرتبطة بالمستوطنات في الضفة الغربية، وإيرلندا تواصل موقفها المتقدم تجاه القضية الفلسطينية، فيما تتسع داخل إسرائيل مساحة الانتقاد لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو. وعندما تتزامن هذه التطورات مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، يصبح من الضروري قراءة المشهد باعتباره سلسلة مترابطة، لا أخباراً منفصلة.
الأهم في الموقف الأوروبي أن بعض العواصم لم تعد تكتفي بالتعبير عن القلق، بل بدأت تستخدم أدوات سياسية واقتصادية للضغط على النشاط الاستيطاني. وهذه نقطة مهمة؛ لأن الخلاف لم يعد متعلقاً بتصريحات دبلوماسية يمكن تجاوزها، وإنما بسياسات لها انعكاسات مباشرة على العلاقة بين إسرائيل وحلفائها.
وفي الداخل الإسرائيلي، تبرز دلالة مواقف شخصيات مثل رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، الذي أيد الإجراءات البريطانية وانتقد سياسة الحكومة تجاه الضفة الغربية. أهمية هذه المواقف ليست في شخصية أولمرت وحدها، وإنما في أنها تعكس وجود نقاش إسرائيلي من داخل المؤسسة السياسية حول الاتجاه الذي تسير فيه الحكومة.
وفي هذه اللحظة تأتي زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض. فالرجل يدخل واشنطن وهو يدرك أن الحسابات الخارجية باتت مرتبطة بحساباته الداخلية، وأن أي دعم أميركي أو غيابه لم يعد يُقرأ فقط في إطار العلاقة التقليدية بين واشنطن وتل أبيب، بل في ضوء الانتخابات المقبلة أيضاً.
ثم تأتي إيرلندا. زيارة دونالد ترامب إلى دبلن وضعت الرئيس الأميركي في عاصمة أوروبية تختلف بوضوح عن كثير من العواصم الغربية في مقاربتها للقضية الفلسطينية، والرئيسة كاثرين كونولي كانت من الأصوات الأوروبية الواضحة في رفض تطبيع الحرب والعنف. وهنا يصبح المشهد أكثر اتساعاً: لندن تتحرك، باريس وأوتاوا تتحركان، دبلن ترفع سقف موقفها، وواشنطن تراقب، بينما تل أبيب تتجه إلى انتخابات حاسمة.
من وجهة نظري، هذه المعطيات ستدخل بقوة في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية. الناخب لا ينظر فقط إلى الملفات الأمنية، وإنما إلى علاقة حكومته بالعالم، وإلى الثمن السياسي والاقتصادي لاستمرار السياسات الحالية.
ولهذا أتوقع أن يواجه نتنياهو اختباراً صعباً في 27 أكتوبر، وأذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إنني أرجح أن تكون الانتخابات بداية خسارته السياسية، حتى لو احتاج تشكيل الحكومة المقبلة إلى وقت ومفاوضات معقدة.
لكن الأهم ليس شخص نتنياهو وحده.
الأهم هو ما إذا كانت إسرائيل ستجد بعد الانتخابات أن الاستمرار في إدارة الصراع أصبح أقل قابلية للاستمرار من البحث عن تسوية سياسية. فإذا استمرت الضغوط الدولية، وترافقت مع نقاش إسرائيلي داخلي جاد، فإن ملف الدولة الفلسطينية لن يبقى مجرد عنوان دبلوماسي.
وهنا أعتقد أن حل الدولتين قد يعود إلى الطاولة باعتباره مخرجاً سياسياً تفرضه الوقائع، وليس مجرد مبادرة جديدة تضاف إلى عشرات المبادرات السابقة.
ومن بعيون أردنية، تبدو هذه النقطة شديدة الأهمية. الأردن، بقيادة الملك عبدالله الثاني، تمسك لسنوات بحل الدولتين باعتباره الطريق الواقعي إلى الأمن والسلام والاستقرار، وحذّر من أن الاستيطان وغياب الأفق السياسي سيقودان المنطقة إلى مزيد من الصراع.
اليوم، تتقاطع عدة دوائر حول الفكرة نفسها: ضغط دولي على الاستيطان، نقاش إسرائيلي داخلي، انتخابات قريبة، وحاجة متزايدة إلى معالجة أصل الصراع بدلاً من إدارة نتائجه.
لذلك لا أعتقد أن ما يجري من لندن إلى دبلن ثم واشنطن وتل أبيب مجرد مصادفات سياسية. قد لا تكون هناك جهة واحدة تدير كل هذه الأحداث، لكن النتائج بدأت تتقاطع.
ومن لندن، بعيون أردنية، أرى أن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل يخسر نتنياهو؟
بل ماذا سيحدث بعد ذلك؟
وأعتقد أن الإجابة قد تكون أهم من الانتخابات نفسها: فتح الطريق مجدداً أمام حل الدولتين، وربما للمرة الأولى منذ سنوات، ضمن مسار سياسي تدفع إليه الوقائع لا الشعارات.
