حلمي الحراحشة
محلل سياسي في الشؤون البريطانية
جوردن ديلي - ما يجري في الأسابيع الأخيرة لا يبدو مجرد موجة دبلوماسية جديدة لإحياء حل الدولتين، بل يحمل مؤشرات على تحول أكثر عمقاً: انتقال تدريجي من الدفاع السياسي عن الحل إلى محاولة حماية شروط وجوده على الأرض، وربما التمهيد لمرحلة يصبح فيها جزءاً من ترتيبات أمن المنطقة، لا مجرد خيار تفاوضي مؤجل.
المسألة تبدأ من الضفة الغربية. فلا معنى للحديث عن دولة فلسطينية إذا تغيرت جغرافية الأرض قبل الوصول إلى التسوية. ومن هنا يمكن فهم تصاعد المواجهة السياسية مع الاستيطان ومشروع E1 ومحاولات الضم. استخدام بريطانيا ودول غربية أخرى أدوات اقتصادية وسياسية في مواجهة النشاط الاستيطاني يعني أن حماية إمكانية قيام الدولة الفلسطينية بدأت تخرج من إطار البيانات إلى محاولة التأثير في الوقائع التي قد تمنع قيامها.
لكن التوقيت هو الأكثر إثارة للاهتمام. خلال فترة زمنية قصيرة جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم المواقف المتقدمة لرئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام ووزير الخارجية والكومنولث والتنمية إد ميليباند، قبل أن يصل إلى عمّان مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول ويلتقي جلالة الملك.
هذه السلسلة لا تثبت وجود خطة سرية أو اتفاق مسبق، لكنها تجعل من الصعب قراءة زيارة باول باعتبارها حركة بروتوكولية منفصلة عن المشهد. فدخول مستشار الأمن القومي تحديداً إلى هذا الملف يعني أن زاوية النظر البريطانية أصبحت أوسع من إدارة حرب غزة، خصوصاً أن النقاش في عمّان جمع الضفة والقدس وأمن الدول العربية وسوريا ولبنان والاستقرار الإقليمي في مشهد واحد.
وهنا، في تقديري، تكمن نقطة التحول.
يبدو أن القضية الفلسطينية تعود تدريجياً إلى مركز معادلة الأمن الإقليمي. فالخطر الذي تواجهه المنطقة ليس استمرار الحرب وحده، بل أن تنتهي الحروب بينما تكون إمكانية التسوية السياسية قد انتهت معها. وإذا أصبحت الدولة الفلسطينية مستحيلة جغرافياً، فإن البديل لن يكون بالضرورة استقراراً طويل الأمد، بل صراعاً مفتوحاً يصعب احتواؤه وتحديد حدوده.
من هنا يمكن فهم التحرك الدولي بصورة مختلفة: تثبيت إمكانية الدولة أولاً، منع الضم، زيادة كلفة الاستيطان، حماية ما تبقى من التواصل الجغرافي، بناء كتلة سياسية عربية ودولية، ثم الانتقال إلى التسوية. لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تسمح بالقول إن قراراً دولياً اتُخذ بفرض الحل النهائي، لكن هناك مؤشرات على أن مرحلة حماية شروط ذلك الحل بدأت فعلاً.
وفي قلب هذه المعادلة يقف الأردن. ليس كوسيط فحسب، بل كدولة تمسها مباشرة أي ترتيبات تخص الضفة والقدس وسوريا وأمن المنطقة. ولذلك فإن حضور عمّان في هذه التحركات يحمل وزناً استراتيجياً يتجاوز الدبلوماسية التقليدية.
قد نكون إذاً أمام تحول مهم: حل الدولتين لم يعد يُطرح فقط باعتباره حلاً للقضية الفلسطينية، بل باعتباره مدخلاً لإعادة بناء الاستقرار الإقليمي.
والسؤال لم يعد ما إذا كان حل الدولتين لا يزال مطروحاً، بل ما إذا كانت القوى المؤثرة قد بدأت بناء الأدوات السياسية والاقتصادية اللازمة لمنع إفشاله على الأرض.
المؤشرات لا تكفي بعد للقول إن التسوية بدأت، لكنها تسمح باستنتاج أكثر أهمية،
ربما بدأت معركة فرض شروطها.
