كتب حلمي الحراحشة
كاتب ومحلل سياسي في الشأن البريطاني
رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا
جوردن ديلي - تتصاعد التحذيرات من اقتراب العالم من مواجهة كبرى، وتتسع معها القراءات التي ترى في الأزمات الاقتصادية والحروب الإقليمية والاضطرابات الاجتماعية مقدمات لانهيار النظام الدولي. غير أن قراءة المشهد من زاوية الانهيار وحدها قد تحجب حقيقة أكثر أهمية، وهي أن العالم ربما لا يسير نحو نهايته، بل يعيش مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى وقواعد النفوذ التي حكمت العلاقات الدولية لعقود.
لا خلاف على أن المشهد العالمي يبعث على القلق، وأن الأزمات لم تعد محصورة داخل الحدود الجغرافية للدول. لكن الإشكالية تبدأ عندما نربط بين تعدد الأزمات وحتمية الحرب العالمية الثالثة، وكأن التاريخ لا يعرف طريقاً للتغيير سوى الدمار، أو أن الأنظمة الدولية لا تتجدد إلا فوق أنقاض الدول والشعوب.
فالتاريخ السياسي يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تحدث دائماً بفعل الحروب، وإنما قد تنشأ نتيجة التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية وتراجع نفوذ القوى التقليدية وصعود قوى جديدة. ولعل انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة تشكيل النظام الدولي مطلع التسعينيات يمثلان دليلاً على أن التحولات الجذرية قد تقع دون اندلاع حرب عالمية شاملة.
والأهم أن القوى الكبرى، رغم حدة تنافسها، تدرك أن تكلفة المواجهة المباشرة قد تتجاوز المكاسب المحتملة. فالولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا تتحرك داخل شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والأمنية المتشابكة، تجعل الحرب الشاملة مغامرة قد يخسر فيها الجميع، حتى من يعتقد أنه يمتلك أدوات الانتصار.
أما الاعتقاد بأن الحروب قد تتحول إلى وسيلة لتصفير الديون وإنقاذ الاقتصادات، فيستدعي مراجعة أكثر عمقاً. فالديون لا تختفي تحت القصف، والاقتصادات لا تستعيد عافيتها بتدمير المصانع والبنية التحتية. بل إن الحروب غالباً ما تخلق التزامات مالية أكبر، وتستنزف الموارد، وتترك أجيالاً تدفع أثمان قرارات لم تشارك في صناعتها. وقد تستفيد صناعات وشركات من النزاعات، لكن مصالحها لا تمثل بالضرورة مصالح الدول والشعوب.
إن ما يجري اليوم قد يكون صراعاً على إعادة توزيع النفوذ داخل النظام الدولي أكثر منه سعياً إلى هدمه. فالقوى الصاعدة تطالب بمكانة أكبر، والقوى التقليدية تحاول حماية مواقعها، فيما تسعى الدول المتوسطة والصغيرة إلى توسيع هامش استقلالها السياسي والاقتصادي.
ومن هنا تبرز أهمية القراءة الأردنية لهذه التحولات. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي ودوره الدبلوماسي وعلاقاته الدولية المتوازنة، ليس بعيداً عن تداعيات إعادة تشكيل النظام الإقليمي. والمطلوب اليوم أن تتحول هذه المكانة السياسية إلى فرص اقتصادية واستثمارية وشراكات استراتيجية، تعزز قدرة الدولة على مواجهة الاضطرابات الخارجية، وتحمي مصالحها الوطنية في عالم تتغير فيه موازين القوة.
وفي الشرق الأوسط عموماً، لا يجوز اختزال المستقبل في انتظار الحروب أو الاكتفاء بالصبر على نتائجها. فالمنطقة تمتلك مقومات اقتصادية وجغرافية وسياسية تؤهلها للمشاركة في صياغة التوازنات المقبلة، بدلاً من أن تبقى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال اندلاع حرب عالمية، بل في الاستسلام لفكرة أنها قادمة لا محالة، فتتحول التوقعات المتشائمة إلى مبرر للعجز السياسي والتخلي عن مسؤولية البحث عن البدائل.
فالعالم لا يحتاج إلى حرب كبرى كي يعيد ترتيب أوراقه، وإنما إلى قيادات تدرك أن القوة الحقيقية لا تقاس بالقدرة على إشعال الحروب، بل بالقدرة على منعها. والتاريخ لا يكتبه من ينتظر الانهيار، بل من يمتلك الرؤية والشجاعة لصناعة ما بعد التحول.
