كتب: نضال الزبيدي
جوردن ديلي - في الكلمات التي تبقى، لا يعلو الصدى من فخامة العبارة وحدها، بل من صدقها حين تلامس وجدان الناس. هكذا جاءت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في عيد الاستقلال الثمانين، لا خطاب احتفال عابر، بل أقرب إلى مصارحة وطن يعرف نفسه، ويعرف تعبه، ويعرف أيضاً لماذا بقي واقفاً وسط هذا الركام العربي الطويل.
منذ سنوات، والأردن يتقن فناً صعباً: أن يبقى متماسكاً فيما تتداعى الجغرافيا حوله، فالأردن ليس بلداً يملك فائض النفط، ولا بحار الثروات، لكنه يملك شيئاً أكثر ندرة في هذه المنطقة المتعبة: فكرة الدولة، ولذلك حين يقول الملك إن الأردن "لم يكن يوماً هامشاً في سرد البشرية"، فهو لا يستعيد التاريخ للتفاخر، بل ليستعيد المعنى، فالأوطان الصغيرة تحتاج دائماً إلى ذاكرة كبيرة.
في خطاب الملك، كان هناك ذلك المزج الأردني النادر بين الكبرياء والتواضع، لم ينكر جلالته الصعوبات، ولم يلجأ إلى البلاغة المنمقة التي تتقنها الأنظمة حين تضيق بها الوقائع ، حيث قال بوضوح إن الثقة ليست تجاهل الأزمات، بل مواجهتها بوعي ومسؤولية، وهذه ربما أكثر جملة تشبه الأردن نفسه ، بلد يعرف أن القلق جزء من يومياته، لكنه يرفض أن يتحول إلى خوف.
وحين تحدث جلالة الملك عن أن "ما ولد من رحم هذه البلاد الأصيلة لا يهزم ولا يكسر"، لم يكن يخاطب فقط الجيش أو مؤسسات الدولة، بل العائلة الأردنية الكبيرة التي تعلمت، عبر عقود، أن الكرامة ليست شعاراً يرفع، بل أسلوب حياة، فمن هذا التراب خرج المعلم والجندي والطبيب والسائق والعامل، وكلهم حملوا الأردن على أكتافهم بصمت يشبه الصبر البدوي الطويل.
اللافت في الكلمة أيضاً أنها لم تكن أسيرة الماضي، رغم أنها قيلت في مناسبة تاريخية، الاستقلال هنا لم يُقدَّم كذكرى محفوظة في الكتب، بل كمسؤولية يومية، وكأن الملك يقول للأردنيين: إن الوطن لا يشيخ إذا بقي أبناؤه قادرين على الإيمان به.
ثمانون عاماً من الاستقلال ليست زمناً قليلاً في منطقة تتبدل خرائطها كل عقد، ومع ذلك، بقي الأردن، بقدرته العجيبة على النجاة، يشبه شجرة زيتون تعرف الريح جيداً، لكنها تعرف أيضاً كيف تثبت جذورها أعمق كلما اشتدت العاصفة.
خلاصة القول، لم تكن أجمل ما في الخطاب عباراته البلاغية، بل تلك النبرة الإنسانية الدافئة حين قال: "بيننا عهد يحفظ في الصدور" ،فالأوطان في النهاية لا تقوم على الخطب وحدها، بل على ذلك العهد الصامت بين الناس وبلادهم، عهد لا يُكتب بالحبر، بل بالتعب والصبر والمحبة.
