حلمي الحراحشة
كاتب ومحلل سياسي- رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا

جوردن ديلي - ما جرى أخيراً بين بريطانيا وإسرائيل ليس مجرد خلاف دبلوماسي عابر، ولا ينبغي قراءته بمعزل عن التحولات المتسارعة في الموقف الغربي تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فانتقال بريطانيا وفرنسا وكندا إلى اتخاذ إجراءات عملية مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية يمثل تطوراً سياسياً يتجاوز قيمة هذه الإجراءات الاقتصادية المباشرة، إلى رسالة مفادها أن استمرار الاستيطان وتقويض حل الدولتين لن يبقيا بلا كلفة دولية.

والأهم أن هذا التحرك قد لا يتوقف عند الدول الثلاث. وحسب تقديراتي، فإن انضمام دول أوروبية أخرى إلى هذا المسار خلال المرحلة المقبلة بات احتمالاً قوياً، وإذا حدث ذلك، فإن المشهد سيتغير بصورة جوهرية؛ لأن إسرائيل لن تكون أمام مواقف منفردة يمكن احتواؤها، وإنما أمام ضغط أوروبي متنامٍ ومتعدد الأدوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.

وهنا أعتقد أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة. فالضغط الخارجي، إذا استمر واتسع، لن يبقى خارج حدود إسرائيل، بل يمكن أن يتحول إلى عامل مؤثر في الداخل الإسرائيلي، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات.

وقد تكون الانتخابات المقبلة نقطة التحول الأهم. فالناخب الإسرائيلي قد لا ينتقل بالضرورة إلى اليسار، لكنه قد يعيد حساباته إذا وجد أن استمرار النهج الحالي يقود إسرائيل إلى مزيد من العزلة الدولية، ويضعف علاقاتها مع دول أوروبية حليفة، ويفتح خلافات مع واشنطن نفسها.

ومن هنا أتوقع أن نشهد منافسة انتخابية مختلفة، وربما نتائج تعيد تشكيل الخريطة السياسية الإسرائيلية، وتفتح الباب أمام حكومة أكثر براغماتية في التعامل مع المجتمع الدولي. وقد لا يكون التغيير في هوية الحكومة بقدر ما يكون في قدرتها واستعدادها للتعامل مع الاستحقاق السياسي الفلسطيني.

أما واشنطن، فتقف أمام اختبار دقيق. فمن الطبيعي أن تستمر في حماية أمن إسرائيل، لكن الدخول في مواجهة مفتوحة مع بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى دفاعاً عن كل سياسات الحكومة الإسرائيلية سيكون مساراً بالغ المخاطرة. والأرجح أن تحاول الإدارة الأميركية إدارة هذا الضغط، لا إلغاءه، وأن تدفع إسرائيل نحو تقديم تنازلات سياسية تحفظ أمنها وتمنع اتساع عزلتها.

وفي تقديري، فإن إسرائيل لن ترضخ بسهولة، وستحاول مقاومة الضغوط، لكن الرهان على العناد إلى ما لا نهاية لن ينجح. فحين يتراكم الضغط الأوروبي، ويتغير المزاج الانتخابي، وتصبح كلفة استمرار الوضع القائم أعلى من كلفة التسوية، فإن الحسابات السياسية لا بد أن تتغير.

وهنا يأتي الدور الأردني.
فالأردن لم ينتظر هذه التطورات ليحذر من مخاطر الاستيطان والتهجير وتقويض حل الدولتين، واليوم يجد أن جزءاً متزايداً من المجتمع الدولي يقترب من الموقف الذي طالما دافع عنه.

لذلك فإن المطلوب من الدبلوماسية الأردنية في هذه المرحلة ليس الاكتفاء بالترحيب بالمواقف الدولية، وإنما التحرك والاستثمار في هذا التحول وزيادة الضغط الدولي المنظم. فعمّان تملك علاقات مهمة مع بريطانيا وفرنسا وكندا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ويمكنها أن تعمل على بلورة موقف دولي أكثر تماسكاً، يدفع باتجاه وقف الاستيطان، ومنع التهجير، وإعادة إطلاق مسار سياسي حقيقي يقود إلى حل الدولتين.

إنها لحظة سياسية يجب ألا تمر من دون استثمار. فقد تتغير المعادلة إذا تحولت المواقف الغربية المتفرقة إلى جبهة سياسية واسعة، وإذا انعكس ذلك على حسابات الناخب الإسرائيلي، وإذا أدركت واشنطن أن حماية إسرائيل لا تعني حماية كل سياساتها.

وعندها قد يصبح ما ظل لسنوات شعاراً في البيانات الدولية مشروعاً سياسياً قابلاً للتنفيذ: دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، ضمن ترتيبات تضمن الأمن والسلام للجميع.

قد تستطيع إسرائيل تأجيل هذا الاستحقاق، وقد تستطيع مقاومة الضغط لبعض الوقت، لكنها لن تستطيع إلى الأبد تجاهل الإرادة الدولية أو تغيير حقائق التاريخ والجغرافيا.

العناد قد يؤخر الحل، لكنه لن يستطيع إلغاءه.