كتب: نضال الزبيدي 

رئيس تحرير جوردن ديلي 

جوردن ديلي -  في الأردن، لا أحد فوق النقد، وهذه قاعدة صحية في أي حياة عامة، فالمسؤول الذي يجلس في موقع القرار يعرف، أو يفترض أن يعرف، أن قراراته وكلماته ستخضعان للسؤال والمراجعة، لكن شيئاً آخر بدأ يحدث في زمن وسائل التواصل الاجتماعي: لم يعد بعض النقد يبحث عن إجابة، بل عن جمهور، وهنا تكمن المشكلة.

وللتوضيح ، ليست لي ثمة علاقة شخصية مع نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية مهند شحادة، ولا أعرفه معرفة خاصة، ولذلك لا أجد سبباً يدفعني إلى الدفاع عنه كشخص. لكنني، بحكم متابعتي لأداء الفريق الحكومي، أراه واحداً من أكثر الوزراء نشاطاً في الميدان، وأكثرهم حضوراً في الملفات التي يتولاها.

في الجدل الذي دار على مدار اليومين الماضيين ، حول الوزير شحادة، بدأ النقاش من منشور باللغة الإنجليزية حول إطلاق "فرح"، المتحدث الحكومي المدعوم بالذكاء الاصطناعي ، كان من حق أي شخص أن يسأل عن سبب استخدام الإنجليزية، وأن يرى أن مخاطبة الأردنيين بالعربية أكثر ملاءمة ، وهذا نقاش طبيعي، بل ضروري.

لكن النقاش خرج سريعاً من اللغة إلى النوايا، ومن المنشور إلى الشخصية، ومن الاختلاف إلى المطالبة بالاستقالة. وهذه مشكلة كبيرة.

ليس كل من يكتب بالإنجليزية بعيداً عن شعبه، كما أن كل من يكتب بالعربية ليس بالضرورة قريباً منه، اللغة أداة، أما القرب من الناس فتثبته السياسات والقرارات والنتائج، والمسؤول لا يُقاس فقط بما يكتب، وإنما بما يفعل.

المشكلة الأكبر أن المسؤول الأردني بدأ يجد نفسه أمام معادلة صعبة: إذا تحدث، عُرض كلامه للتأويل، وإذا صمت، قيل إنه بعيد عن الناس، وإذا شرح، قيل إنه يبرر، وإذا لم يشرح، قيل إنه يتهرب، وإذا استخدم لغة مختلفة، أصبحت اللغة قضية ، وإذا تحدث بلغة الشارع، قد يُؤخذ عليه الأسلوب.
فماذا يبقى له؟ الصمت ؟ وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في الإدارة العامة.

نحن بحاجة إلى مسؤول يتحدث، لا إلى مسؤول يخشى الحديث ، نحتاج إلى وزير يشرح للناس لماذا اتخذ القرار، وإلى مواطن يسأله لماذا اتخذه،  نحتاج إلى إعلام يدقق في المعلومات، وإلى منصات اجتماعية تسمح بالنقد، لا أن تتحول إلى محكمة تصدر أحكامها قبل أن تعرف الوقائع.

النقد حق، والمساءلة حق ، لكن التشهير ليس مساءلة، وتحويل كل زلة لغوية أو اختيار مختلف إلى دليل على سوء النية ليس رقابة شعبية.

وفي المقابل، لا ينبغي للمسؤول أن يختبئ خلف منصبه أو يعتبر كل انتقاد استهدافاً، عليه أن يقبل السؤال، وأن يجيب عندما يكون الجواب واجباً، وأن يترك الأرقام والنتائج تتحدث عنه.

الاقتصاد، في النهاية، لا ليس مجرد ارقام ، إذ وراء كل رقم إنسان، ووراء كل قرار أسرة، ووراء كل نسبة بطالة شاب ينتظر فرصة،  لذلك فإن الحكم الحقيقي على الفريق الاقتصادي يجب أن يكون في ما ينجزه، وفي ما يغيره في حياة الناس، لا في عدد المؤيدين أو المعارضين له على منصات التواصل الاجتماعي.

النقد ضرورة، ولكن ليس كل ما يقال نقداً، والدفاع عن المسؤول ليس بالضرورة تملقاً.

أحياناً يكون الدفاع الحقيقي عن حق المسؤول في أن يعمل ويتحدث ويخطئ ويجيب، مثلما يكون من حق المواطن أن يسأل وينتقد ويحاسب.