كتب: نضال الزبيدي
جوردن ديلي - تعكس الضربة الجوية الأردنية التي استهدفت مواقع لتنظيم داعش وشبكات تهريب المخدرات في جنوب سوريا تحولاً في مقاربة الأردن للتهديدات الأمنية القادمة من حدوده الشمالية، فعندما تتكرر التحذيرات من نشاط الجماعات الإرهابية، دون اتخاذ إجراءات فعالة لاحتواء مخاطرها، يصبح من حق الدولة، بل من صميم مسؤولياتها، إعادة تقييم الأدوات المتاحة لحماية مواطنيها وصون أمنها الوطني.
لقد جاءت عملية "الردع الأردني - حمود"، التي أعلنت القوات المسلحة الأردنية تنفيذها بالتنسيق مع الحكومة السورية، عقب الاعتداء الذي استهدف مشيّعين خلال جنازة في كنيسة حمود بمحافظة الكرك ، حيث ثبت بما لا يدع مجالا للشك ارتباط الخلية المتورطة في الاعتداء بتنظيمات إرهابية تنشط في جنوب سوريا ، حيث استندت إلى معلومات وادلة ثابتة، ما عززت حقيقة أن التهديد لم يعد محصوراً داخل الأراضي السورية، بل بات يمتد إلى أمن الأردن وسلامة مواطنيه.
من وجهة نظري، لا يمكن مطالبة الأردن بضبط النفس إلى ما لا نهاية بينما تستمر المخاطر التي تهدد أمنه، ولا يمكن أن تتحول الدبلوماسية إلى بديل عن الإجراءات العملية عندما يتعلق الأمر بحماية الأرواح.
فقد حذر الاردن الجانب السوري مراراً من مخاطر الجماعات الإرهابية في الجنوب السوري، لكن الاستجابة، لم تكن بالمستوى المطلوب، وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الخيارات المتاحة أمام دولة تواجه تهديدات متواصلة عبر حدودها، بعد استنفاذ التحذيرات والمساعي الدبلوماسية دون نتائج كافية؟
إن جوهر المسألة لا يتعلق بالرغبة في التصعيد، بل بمنع التهديد من التحول إلى واقع دائم، ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الضربة باعتبارها رسالة ردع واضحة مفادها أن الأردن لن يتعامل مع التهديدات التي تمس أمنه الوطني باعتبارها أمراً يمكن تأجيله أو التغاضي عنه.
ولا يقل خطر شبكات تهريب المخدرات أهمية عن خطر الإرهاب ، فاستمرار نشاط هذه الشبكات في جنوب سوريا يكشف عن تحديات أمنية أوسع، تستفيد منها جماعات مسلحة وشبكات إجرامية في ظل ضعف الرقابة والفراغات الأمنية.
أما التنسيق مع الجانب السوري ، فيمثل فرصة ينبغي البناء عليها، لا مبرراً للاكتفاء بالتفاهمات السياسية ، فالمطلوب هو تعاون أمني مستمر، وتبادل للمعلومات الاستخبارية، وضبط فعلي للحدود، وملاحقة للخلايا الإرهابية وشبكات التهريب، كما تقع على الجانب السوري مسؤولية إظهار قدرته على منع استخدام أراضيه منطلقاً لتهديد الدول المجاورة.
وفي تقديري، فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في المواقف المعلنة، بل في النتائج الميدانية ، فالتنسيق الذي لا يترجم إلى إجراءات قابلة للقياس سيظل محدود الأثر، فيما تتطلب معالجة التهديدات القائمة شراكة أمنية جادة ومستدامة.
في المحصلة، لا ينبغي النظر إلى الضربة الجوية باعتبارها حدثاً عسكرياً منفصلاً، بل بوصفها مؤشراً على حجم القلق الأردني من استمرار التهديدات القادمة من جنوب سوريا، وعلى أهمية الانتقال من التحذيرات إلى خطوات عملية لاحتوائها.
إن أمن الأردن ليس قضية قابلة للتأجيل، وحماية مواطنيه ليست خياراً سياسياً، بل مسؤولية سيادية أساسية ، ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس التصعيد لذاته، بل تعاون سوري فعّال يترجم الالتزامات إلى نتائج ملموسة، ومقاربة أمنية تمنع الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب من استغلال الفراغات الأمنية لتهديد الأردن والمنطقة، فاستقرار جنوب سوريا ليس شأناً منفصلاً عن المملكة، بل جزء مباشر من أمنها الوطني.
