كتب :حلمي الحراحشة
كاتب ومحلل سياسي -رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا
جوردن ديلي - عندما نتحدث عن استقرار الأردن وأمنه ومستقبله، علينا أن نبدأ من الأسرة الأردنية؛ فهي اللبنة الأساسية للمجتمع، واستقرارها ينعكس على تربية الأبناء وتعليمهم وانتمائهم وقدرتهم على المشاركة في بناء الوطن.
لكن الشباب والأسر يواجهون اليوم تحديات اقتصادية متزايدة، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وارتفاع أسعار العقارات والإيجارات مقارنة بمستويات الدخول. وأصبح تأمين المسكن المناسب أحد أبرز العوائق أمام الشباب الراغبين في الزواج وتأسيس أسرهم، كما أصبح عبئاً كبيراً على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
هذه ليست مشكلة عقارية فقط، بل قضية ترتبط مباشرة بالاستقرار الأسري والاجتماعي والاقتصادي.
فحين يستهلك السكن جزءاً كبيراً من دخل الأسرة، تتراجع قدرتها على الإنفاق على التعليم والصحة والاحتياجات الأساسية، بينما يجد الشاب نفسه أمام معادلة صعبة: عمل ودخل محدود، وتكاليف زواج متزايدة، وسكن يصعب تحمل كلفته.
لماذا لا نطلق برنامجاً وطنياً للإسكان الميسر؟
الأردن بحاجة إلى التعامل مع السكن باعتباره جزءاً من السياسة الاقتصادية والاجتماعية، وليس ملفاً عقارياً منفصلاً.
والمطلوب ليس توزيع مساكن مجانية، وإنما إنشاء نموذج مستدام للإسكان الميسر يستهدف الشباب والأسر من ذوي الدخول المحدودة والمتوسطة، بحيث تكون قيمة الإيجار أو القسط متناسبة مع دخل الأسرة وقدرتها على الدفع.
ويمكن تنفيذ ذلك من خلال شراكة حقيقية بين الحكومة والبلديات والقطاع الخاص والبنوك والمؤسسات التمويلية.
تساهم الدولة والبلديات في توفير الأراضي والتسهيلات والحوافز ضمن الأطر القانونية، ويتولى القطاع الخاص التطوير والبناء والإدارة، بينما تقدم البنوك والمؤسسات المالية حلول تمويل مناسبة، وتحدد وزارة التنمية الاجتماعية الفئات المستهدفة وفق معايير واضحة وشفافة.
وبهذا النموذج، يتحول الإسكان الميسر من عبء على الموازنة إلى مشروع استثماري واجتماعي مستدام.
مجتمعات سكنية متكاملة
ولا ينبغي أن تقتصر المشاريع على بناء وحدات سكنية فقط، بل يمكن تطويرها كمجتمعات متكاملة تضم المدارس والحضانات والمراكز الصحية والمساحات الخضراء ووسائل النقل والخدمات الأساسية.
كما أن تنفيذ مشاريع واسعة للإسكان سيحرك قطاعات اقتصادية متعددة، من المقاولات ومواد البناء إلى الصيانة والنقل والخدمات، ويوفر فرص عمل ويشجع الاستثمار المحلي.
من السكن إلى الاستقرار
توفير السكن الميسر يساعد الشباب على تأسيس أسرهم، ويخفف عن الأسر القائمة أحد أكبر أعبائها الشهرية. وعندما ينخفض العبء السكني، يصبح لدى الأسرة مجال أكبر لتوجيه دخلها نحو تعليم الأبناء وصحتهم واحتياجاتهم الأساسية.
وهنا يصبح الإسكان جزءاً من سياسة أوسع لتعزيز الاستقرار الأسري والاقتصادي، وليس مجرد توفير وحدات سكنية.
المطلوب: قرار وتنفيذ
يمكن البدء بمشروع وطني تجريبي في عدد من المحافظات، مع تحديد الفئات المستفيدة ومصادر التمويل وقيمة الإيجارات أو الأقساط وآلية الإدارة، ثم تقييم النتائج والتوسع تدريجياً.
وتتولى رئاسة الوزراء قيادة البرنامج وتنسيق الجهات المعنية، بينما تساهم البلديات في توفير الأراضي والتسهيلات، ويتولى القطاع الخاص البناء والاستثمار، وتوفر البنوك التمويل المناسب، وتحدد وزارة التنمية الاجتماعية الفئات المستهدفة وفق معايير واضحة وعادلة.
المطلوب ليس إنشاء مؤسسة جديدة، وإنما توحيد الجهود وتحديد المسؤوليات وتحويل الإسكان الميسر إلى مشاريع حقيقية قابلة للقياس والاستدامة.
فالسكن الميسر ليس مساعدة مؤقتة، بل استثمار في استقرار الأسرة ومستقبل الأردن، والمطلوب اليوم قرار وطني وشراكة حقيقية وبدء التنفيذ.
